للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من نار لخاضه، ومن يصحّح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنّي من غيره، ويحذرون من بئر إن كانت عندهم.

ثمّ كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السّفهاء؟

ولقد رأيت شابّا من الصّوفيّة يمشي في الأسواق، ويصيح والغلمان يمشون خلفه، وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة، فيصيح صيحات، وهو يصلّي الجمعة، فسئلت عن صلاته، فقلت: إن كان وقت صياحه غائبا، فقد بطل وضوؤه، وإن كان حاضرا، فهو متصنّع، وكان هذا الرّجال جلدا لا يعمل شيئا، بل يدار له بزنبيل في كلّ يوم، فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه، فهذه حالة المتأكّلين لا المتوكّلين.

ثمّ لو قدّرنا أنّ القوم يصيحون عن غيبة، فإنّ تعرّضهم لما يغطّي على العقول من سماع ما يطرب منهيّ عنه، كالتّعرّض لكلّ ما غالبه الأذى.

وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم، فقال: خطأ وحرام، وقد نهى رسول الله عن إضاعة المال (١)، وعن شقّ الجيوب (٢).

فقال له قائل: فإنّهم لا يعقلون ما يفعلون؟

قال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أنّ الطّرب يغلب عليهم، فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التّخريق وغيره، ممّا يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشّرع؛ لأنّهم مخاطبون قبل الحضور بتجنّب هذه المواضع الّتي تفضي إلى ذلك، كما هم منهيّون عن شرب المسكر، فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم، كذلك هذا الطّرب الّذي يسمّيه أهل التّصوّف وجدا، إن صدقوا فيه، فسكر طبع، وإن كذبوا


(١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة .
(٢) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣) من حديث عبد الله بن مسعود .

<<  <   >  >>