عن مسلمة بن عبد الملك أنّه دخل على عمر بن عبد العزيز، وعليه قميص وسخ، فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت: والله، ما له قميص غيره، فأمّا إذا لم يكن هذا لفقر، وقصد البذاذة، فما له من معنى.
قال المصنف: فأمّا صوفيّة زماننا، فإنّهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة، كلّ واحد منها على لون، فيجعلونها خرقا، ويلفّقونها، فيجمع ذلك الثّوب وصفين: الشّهرة والشّهوة، فإنّ لبس مثل هذه المرقّعات أشهى عند خلق كثير من الدّيباج، وبها يشتهر صاحبها أنّه من الزّهّاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرّقاع كالسّلف؟ كذا قد ظنّوا، وإنّ إبليس قد لبّس عليهم، وقال: أنتم صوفيّة؛ لأنّ الصّوفيّة كانوا يلبسون المرقّعات، وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أنّ التّصوّف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التّشبيه في الصّورة والمعنى.
أمّا الصّورة، فإنّ القدماء كانوا يرقعون ضرورة، ولا يقصدون التّحسّن بالمرقّع، ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان، فيقطعون من كلّ ثوب قطعة، ويلفّقونها على أحسن التّرقيع، ويخيطونها، ويسمّونها مرقعة، وأمّا عمر ﵁ لمّا قدم بيت المقدس حين سأل القسّيسون والرّهبان عن أمير المسلمين، فعرضوا عليهم أمراء العساكر، مثل: أبي عبيدة، وخالد بن الوليد، وغيرهما، فقالوا: ليس هذا المصوّر عندنا، ألكم أمير أو لا؟ فقالوا: لنا أمير غير هؤلاء. فقالوا: هو أمير هؤلاء؟
قالوا: نعم، هو عمر بن الخطّاب ﵁، فقالوا: أرسلوا إليه ننظره، فإن كان هو، سلّمنا إليكم من غير قتال، وإن لم يكن هو، فلا، فلو حصرتمونا ما تقدرون علينا، فأرسل المسلمون إلى عمر ﵁، وأعلموه بذلك، فقدم عليهم، وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة، بينها رقعة من أديم، فلمّا رأوه الرّوحانيّون والقسوس على هذه الصّفة، سلّموا بيت المقدس إليه من غير قتال، فأين هذا ممّا يفعله جهّال الصّوفيّة في زماننا، فنسأل الله العفو والعافية، وأمّا المعنى فإنّ أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد.