للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

لِأَرْمِيَا: أَكُنْتَ تُخْبِرُهُمْ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَمَرَتْ بِهِ، مَاذَا تَصْنَعْ؟ قَالَ: أَمَرْتُ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ بِرَأيِكَ. فَخَرَّبَ البَيْتَ وَقَتَلَ عَلَى دَمِّ يَحْيَى ابنِ زَكَرِيا -عَلَيْهِ السَّلَام- أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ألْفًا، وَالدَّمُ يَغْلِي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَلِيفَةُ بُخْتُنَصَّر وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ، وَقَالَ بُخْتُنَصَّر: لَا أَزَالُ أَقْتُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُّ مِنَ القَرْيَةِ. فَقَالَ خَلِيفَةُ بُخْتُنَصَّر لِدَمِ يَحْيَى: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي خَلَقَكَ إِلَّا سَكَنْتَ بإذْنِ اللَّهِ، فَقَدْ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَهَلَكُوا. وَقَالَ: وَجَاءوا بالمواشِي فَقُتِلَتْ حَتَّى خَرَجَ الدَّمُ مِنَ القَرْيَةِ سائِلًا، فَقَالَ لِبُخْتُنَصَّر: قَدْ قَتَلْتُ حَتَّى خَرَجَتِ الدِّمَاءُ مِنَ القَرْيَةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَ، وَهِيَ الكَرَّةُ الأَخِيرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فَقَالَ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (٦٠٢) فَصَلَبَ مَنْ صَلَبَ، وَأَحْرَقَ وَبَاعَ ذَرَارِيهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، وَمَثلَ بِهِمْ كُل مُثْلَةٍ، وَسارَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ إِلَى مِصْرَ وَلَجَأوا إِلَى مَلِكِهَا، فَسَارَ بُخْتُنَصَّر إِلَى مَلِكِ مِصْرَ فَاقْتَتَلُوا، فَظَفَرَ بِهِ بُخْتُنَصَّر؛ فَأَسَرَهُ وَأَسَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَتَلَ جُنُودَهُ، وَلَحِقَ بَأرْضِ بَابِلَ، وَأَقَامَ أَرْمِيَا بِأَرْضِ مِصْرَ وَاتَّخَذَ جُنِينَةً وَزَرَعَ فِيهَا بَقَلًا يَعِيشُ مِنْهُ، وَأَوْحَى اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- إلَيْهِ إِنَّ لَكَ لَهَمًّا وَشُغْلًا عَنِ الزَّرْعِ وَالمقَامِ بِأَرْضِ الكُفْرِ، وَكَيْفَ تَسَعُكَ أَرْضٌ أَوْ تَحْمِلُكَ مَعَ مَا تَعْلَمُ مِنْ سَخَطِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلْيَحزُنْكَ هَذَا البَلَاءُ الَّذِي قَضَيْتَهُ عَلَى إِيلْيَاءَ وَأَهْلِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ زَمَنُ العِمْرَانِ وَلَكِنَّهُ زَمَنُ الخرَابِ؛ فَاعْمَدْ إِلَى جنِينَتَكَ هَذِهِ فَاهْدِمْ جُدُرَهَا، وَانْتِفْ بَقْلَهَا، وَغَوِّرَ نَهْرَهَا، وَالحقْ بِايلْيَاءَ فَلْتَكُنْ بِلَادَكَ حَتَّى يَبْلُغَ كِتَابِي أَجَلُهُ. فَخَرَجَ أَرْمِيَا مَذْعُورًا خَائِفًا وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الثِّمَارِ فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ، وَتَزَوَّدَ سَلَّةً فِيهَا عِنَبٌ وَتِينٌ، وَاتَّخَذَ سِقَاءً جَدِيدًا فَمَلَأَهُ مَاءً، وَفَتَلَ حَبْلًا جَدِيدًا فَرَسنَ بِهِ أَتَانَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى رَفَعَ لَهُ شَخْصٌ بَيْتَ المقْدِسِ فَرَأَى خَرَابًا عَظِيمًا لَا يُوصَفُ، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ،


(٦٠٢) الإسراء: ٧.

<<  <   >  >>