فيهم ولو كانوا نفرًا يسيرًا، فكان مضاض بن عمرو ملك جرهم والمطاع فيهم، وكان السميدع ملك قطورا.
فنزل مضاض بن عمرو أعلى مكة وكان يعشر من دخلها من أعلاها، وكان حوزهم وجه الكعبة والركن الأسود والمقام وموضع زمزم مصعدًا يمينًا وشمالًا، وقعيقعان إلى أعلى الوادي.
ونزل السميدع أسفل مكة وأجيادين، وكان يعشر من دخل مكة من أسفلها، وكان حوزهم المسفلة ظهر الكعبة والركن اليماني والغربي وأجيادين والثنية إلى الرمضة، فبنيا فيها البيوت واتسعا في المنازل وكثروا على العماليق.
فنازعتهم العماليق فمنعتهم جرهم، وأخرجوهم من الحرم كله، فكانوا في أطرافه لا يدخلونه فقال لهم صاحبهم عموق: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتموني، فجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من قومهما، وكثروا وربلوا وأعجبتهم البلاد، وكانوا قومًا عربًا وكان اللسان عربيا.
فكان إبراهيم خليل الله ﵇ يزور إسماعيل ﵇ فلما سمع لسانهم وإعرابهم سمع لهم كلامًا حسنًا ورأى قومًا عربًا، وكان إسماعيل قد أخذ بلسانهم، أمر إسماعيل أن ينكح فيهم، فخطب إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة فزوجه إياها، فولدت له عشرة ذكور وهي أم البيت، وهي زوجته التي غسلت رأس إبراهيم حين وضع رجله على المقام.
قالوا: وتوفي إسماعيل ودفن في الحجر وكانت أمه قد دفنت في الحجر أيضًا، وترك ولدًا من رعلة بنة مضاض بن عمرو الجرهمي فقام مضاض بأمر ولد إسماعيل وكفلهم لأنهم بنو ابنته.
فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة ويستفحل حتى ولوا البيت، وكانوا ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة فجاء سيل فدخل البيت فانهدم، فأعادته جرهم