ابن إسماعيل، فلما ضاقت عليهم مكة وانتشروا بها انبسطوا في الأرض وابتغوا المعاش والتفسح في الأرض فلا يأتون قومًا، ولا ينزلون بلدًا إلا أظهرهم الله ﷿ عليهم بدينهم فوطئوهم، وغلبوهم عليها حتى ملكوا البلاد ونفوا عنها العماليق ومن كان ساكنًا بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت، لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخئولتهم وقرابتهم وإعظام الحرم أن يكون به بغي أو قتال.
حدثني بعض أهل العلم قال: كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة، فضيعوا حرمة الحرم واستحلوا فيه أمورًا عظامًا ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم يقال له: عموق فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدر الأمم قبلكم قوم هود، وصالح، وشعيب فلا تفعلوا وتواصلوا، فلا تستخفوا بحرم الله وموضع بيته، وإياكم والظلم والإلحاد فيه فإنه ما سكنه أحد قط فظلم فيه وألحد إلا قطع الله دابرهم، واستأصل شأفتهم، وبدل أرضها غيرهم حتى لا يبقى لهم باقية.
فلم يقبلوا ذلك منه وتمادوا في هلكة أنفسهم، قالوا: ثم إن جرهما وقطورا خرجوا سيارة من اليمن وأجدبت بلادهم عليهم فساروا بذراريهم ونعمهم (١) وأموالهم وقالوا: نطلب مكانًا فيه مرعى تسمن فيه ماشيتنا، وإن أعجبنا أقمنا فيه، فإن كل بلاد ينزلها أحد ومعه ذريته وماله فهي وطنه، وإلا رجعنا إلى بلدنا.
فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماء طيبًا، وعضاهًا ملتفة من سلم وسمر، ونباتًا يسمن مواشيهم، وسعة من البلاد، ودفئا من البرد في الشتاء فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأقاموا مع العماليق.
وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، وكان ذلك سنة
(١) كذا في ب. وفي الأصل: "وأنفسهم" وفي أ: "وألفتهم".