للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ذكر سيل الجحاف، وما جاء في ذلك]

قال أبو الوليد: وكان سيل الجحاف في سنة ثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان صح الحاج يومًا، وذلك يوم التروية وهم آمنون غارون، قد نزلوا في وادي مكة، واضطربوا الأبنية، ولم يكن عليهم من المطر إلا شيء يسير، إنما كانت السماء في صدر الوادي، وكان عليهم رشاش من ذلك، قال أبو الوليد قال جدي: فحدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: لم يكن المطر عام الجحاف على مكة إلا شيئًا يسيرًا، وإنما كانت شدته بأعلى الوادي، قال: فصبحهم يوم التروية بالغبش قبل صلاة الصبح، فذهب بهم وبمتاعهم ودخل المسجد، وأحاط بالكعبة، وجاء دفعة واحدة، وهدم الدور الشوارع على الوادي، وقتل الهدم ناسًا كثيرًا، ورقى الناس في الجبال، واعتصموا بها، فسمي بذلك الجحاف، وقال فيه عبد الله بن أبي عمار (١):

لم تر عيني مثل يوم الاثنين … أكثر محزونًا وأبكى للعين

إذ خرج المخبآت يسعين … سواندًا في الجبلين يرقين (٢)

فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان، ففزع لذلك وبعث بمال عظيم، وكتب إلى عامله على مكة عبد الله بن سفيان المخزومي، ويقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي، يأمره بعمل ضفائر للدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به، وعمل ردمًا على أفواه السكك يحصن بها دور الناس من السيول، وبعث رجلًا نصرانيًا مهندسًا في عمل ضفائر المسجد الحرام، وضفائر الدور في جنبتي الوادي، وكان من ذلك الردم الذي يقال له: ردم الحزامية على فوهة خط الحزامية، والردم الذي يقال له: ردم بني


(١) تحرف في الأصول إلى "عمارة"، وصوابه من الفاكهي.
(٢) البيتان في أخبار مكة للفاكهي ٣/ ١٠٦، وإتحاف الورى ٢/ ١٠٩، وشفاء الغرام ٢/ ٤١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>