قال أبو محمد الخزاعي: ورأيتها على أحوال شتى، كانت مقاصيرها التي للنساء تكرى من الغرباء والمجاورين، ويكون في مقصورة الرجال دواب عمال مكة، ثم كانت بعد ينزلها عبيد العمال بمكة من السودان وغيرهم، فيعبثون فيها ويوذون جيرانها، ثم كانت تلقى فيها القمائم ويتوضأ فيها الحاج، وصارت ضررًا على المسجد الحرام.
فلما كان في سنة إحدى وثمانين ومائتين، استعمل على بريد مكة رجل من أهلها من جيران المسجد الحرام له علم ومعرفة وحسبة، وفطنة بمصالح المسجد الحرام والبلد، فكتب في ذلك إلى الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب، يذكر أن دار الندوة قد عظم خرابها وتهدمت وكثر ما يلقى فيها من القمائم حتى صارت ضررًا على المسجد الحرام وجيرانه، وإذا جاء المطر سال الماء منها، حتى يدخل المسجد الحرام من بابها للشارع في بطن المسجد الحرام، وأنها لو أخرج ما فيها من القمائم وهدمت، وعدلت وبنيت مسجدًا يوصل بالمسجد الحرام، أو جعلت رحبة له يصلي الناس فيها ويتسع فيها الحاج، كانت مكرمة لم يتهيأ لأحد من الخلفاء بعد المهدي، وشرفًا وأجرًا باقيًا مع الأبد.
وذكر أن في المسجد خرابًا كثيرًا، وأن سقفه يكف إذا جاء المطر، وأن وادي مكة قد انكبس بالتراب، حتى صار السيل إذا جاء يدخل المسجد، وشرح ذلك للأمير بمكة، عج بن حاج مولى أمير المؤمنين والقاضي بها محمد بن أحمد بن عبد الله المقدمي، وسألهما أن يكتبا بمثل ذلك، فرغبا في الأجر، وجميل الذكر وكتبا إلى الوزير بمثل ذلك، فلما وصلت الكتب، عرضت على أمير المؤمنين أبي العباس المعتضد بالله بن أبي أحمد الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل على الله، ورفع وفد الحجبة إلى بغداد، يذكرون أن في جدار بطن الكعبة رخامًا قد اختلف وتشعب، في أرضها رخام قد تكسر، وأن بعض عمال مكة كان قد قلع ما على عضادتي باب الكعبة من