للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأقاموا به ثماني ليال أسواقهم قائمة، ثم يخرجون يوم التروية من ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز.

وإنما سمي يوم التروية؛ لترويهم من الماء بذي المجاز، ينادي بعضهم بعضًا: ترووا من الماء؛ لأنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ، وكان يوم التروية آخر أسواقهم، وإنما كان يحضر هذه المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز التجار ومن (١) كان يريد التجارة، ومن لم يكن له تجارة ولا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد، ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة، خرج من مكة يوم التروية، فيتروون من الماء فتنزل الحمس أطراف الحرم من نمرة يوم عرفة، وتنزل الحلة عرفة.

وكان النبي في سنته التي دعا فيها بمكة قبل الهجرة لا يقف مع قريش والحمس في طرف الحرم، وكان يقف مع الناس بعرفة. قال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: أضللت بعيرًا يوم عرفة فخرجت أقصه وأتبعه بعرفة إذ أبصرت محمدًا بعرفة فقلت: هذا من الحمس ما يوقفه ههنا؟ فعجبت له، قال: وكانوا لا يتبايعون في يوم عرفة ولا أيام منى، فلما أن جاء الله بالإسلام أحل الله ذلك لهم، فأنزل الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وفي قراءة أبي بن كعب في مواسم الحج -يعني: منى وعرفة وعكاظا ومجنة وذا المجاز- فهذه مواسم الحج، فإذا جاءوا عرفة أقاموا بها يوم عرفة فتقف الحلة على الموقف من عرفة عشية عرفة، وتقف الحمس على أنصاب الحرم من نمرة، فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم وأفاضت الحلة من عرفة حتى يلتقوا بمزدلفة جميعًا.

وكانوا يدفعون من عرفة إذا طفلت الشمس للغروب، وكانت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، فإذا كان هذا الوقت دفعت الحلة


(١) كذا في الأصل أ. وفي ب: "من".

<<  <  ج: ص:  >  >>