للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نحن أهل الله وبنو إبراهيم خليل الله وولاة البيت الحرام وسكان حرمه وقطانه، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف العرب لأحد مثل ما تعرف لنا، فابتدعوا عند ذلك أحداثًا في دينهم أداروها بينهم فقالوا: لا تعظمون شيئًا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها إلا أنهم قالوا: نحن الحمس أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره.

ثم جعلوا لمن ولدوا من سائر العرب من سكان الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، وكانت خزاعة وكنانة قد دخلوا معهم في ذلك.

ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا لم تكن، حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا (١) الأقط ولا يسلئوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم، إذا كانوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يأكلوا في الحرم إلا من طعام أهل الحرم إما قرى وإما شراء، وكانوا مما سنوا به أنه إذا حج الصرورة من غير الحمس (٢).

والحمس: أهل مكة قريش وكنانة وخزاعة ومن دان بدينهم ممن ولدوا من حلفائهم وإن كان من ساكني الحل، والأحمسي: المشدد في دينه، فإذا حج


(١) كذا في سيرة ابن هشام. وفي الأصول: "يأقطوا" والأقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٢، إتحاف الورى ١/ ٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>