نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر كثيراً من آيات القرآن. . . لأن صاحب كتاب اخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهداً بها ومستدرجاً قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله (المنقذ من الضلال ص ٢٧)
من هنا لا نرى ما يراه (لان بول) من أن هذه الرسائل كانت تمثل الفلسفة العربية حين ألفت أصدق تمثيل، فان كتاباً يكتب بلغة شبيهة بالعامية وللعامة، ويصفه أبو سليمان المنطقي والغزالي بما وصفاه، لا يمكن أن يكون ممثلا للفلسفة العربية في ذلك العصر ورسائل اخوان الصفا هذه تبلغ واحدة وخميسن رسالة عدا الرسالة الجامعة. والشك يحوم حول مؤلفيها. فمن قائل أنها من تأليف جعفر الصادق، ومن قائل أنها من كلام بعض متكلمي المعتزلة، ولكن السائد اليوم هو أن كتابات زيد بن رفاعة كانت نواة هذه الرسائل. والأربعة الذين يذكرون معه كانوا يساعدونه في التأليف وانضاج الرأي. وقد كان لتأليف الرسائل على هذا النحو من التعاون أثر كبير في اسلوبها واختلاف قيم اجزائها، فهي في مواطن قوية الفن غزيرة المادة، وفي مواطن اخرى مهلهلة الأسلوب سطحية المباحث. وهذا التباين الملحوظ في مراد هذه الرسائل يثبت لنا أن مؤلفيها كانوا على تفاوت في ثقافتهم.
على ان من هذه الرسائل ما انفرد بكتابته شخص واحد من هذه الجماعة دون غيره. ومن هذه الرسائل رسالة الحيوان. فاطراد الافكار وتسلسل المعاني، ووحدة السياق التي تلحظ في هذه الرسالة يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنها لكاتب فذ منهم. وهذه الرسالة في رأينا - هي أقوى هذه الرسائل واعلاها نفساً وأسدها منطقاً، وقد عرضت هذا الرأي على الأب انسطاس الكرملي منذ سنوات فجاءني منه حينها ما يلي: -
(رسالة الحيوان هي - كما تقول - لكاتب واحد منهم اقواهم عبارة واصفاهم فكراً واحسنهم منطقاً. لكن الظاهر ان بعض الأخوان نظروا فيها واحكموا تنفسيقها، واظهروا فيها حذقهم) وحضرة الأب - على ما أفهمني - يدرس رسائل أخوان الصفا منذ سنة ١٩١٧
ولعل الغرض الخاص الذي ألفت من أجله هذه الرسالة كان انتقاد المجتمع اذ ذاك على لسان الحيوان كما فعل بعض أدباء الغرب في عصور التضييق على الحريات الفكرية. فأخوان الصفا في هذه الرسالة ينطقون الحيوان بما لا يستطيعون الجهر به من عبارات