ويرى سعادة الدكتور عبد الواحد الوكيل بك أني متألم متوجع فيهمس في أذني أن المدرج لم تبق فيه فتاة واحدة. فأسأل: وكيف؟ فيجيب بأن وعورة البحث الذي ألقاه الشيخ السكندري أملتْ جميع الفتيات فانصرفن عابسات. ويسرني ألا تشهد فتاه هزيمتي فأقول: إلى الغد، إلى الغد، يا حضرات الزملاء!
وقبل أن أدخل في تفاصيل ما سأراه، أذكر أني زرت ليلى شفاها الله في مساء ذلك اليوم فحدثتني أن خطبة الشيخ السكندري ملأت مسامع أهل بغداد، ولكنها أنكرت أن يتحذلق الشيخ السكندري فيقول:
إن الأوكسجين مثنى أوكسيج، وإنه يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء
فأصرخ في وجه ليلى: هذا كذب، هذا افتراء!
ثم أعرف بعد ذلك أن هذه دعابة ثقيلة أذاعها مصري خبيث يقيم في بغداد
ولم انجح في إقناع ليلى بأن هذا افتراء على الشيخ السكندري إلا بعد أن هددتها بالغرق في دجلة، وليلى تحبني يا بني أدم، فلا تستغربوا أن يهولها هذا التهديد.
ثم أخرج للبحث عن سيارة تنقلني إلى مضارب بني تميم، فلا أجد غير سيارة بالأجرة، فأتردد، لأني لم أدخر درهماً واحداً في بغداد، فقد أنفقت مالي على المطابع، وعند الله جزائي
واهم بالزهد في الوليمية التميمية فأسمع صوتاً يقول: سيارتي في خدمتك يا دكتور زكي. فأنظر فإذا طبيب لا اعرف اسمه، ولو عرفته لشرفت به هذه المذكرات، فأقول: ولكن معي صديقان فضيلة الشيخ السكندري والأستاذ عبد المنعم خلاف. فيقول: سيارتي في خدمتكم جميعاً يا مولاي
وقبل أن أدخل في التفاصيل أذكر أني أعطف على عبد المنعم خلاف لسببين: أما السبب الأول فلا اذكره، وهو يعرف ما اعني. وأما السبب الثاني فهو أن الشقي يشغل نفسه منذ أشهر طوال بالبحث عن مصدر الوحي: الوحي الهائل الخطير الذي جعل الدكتور زكي مبارك يكتب ثلاث مقالات في كل يوم بالرغم من اشتغاله بالتدريس والتأليف. وسيموت الشقي قبل أن يعرف مصدر الوحي. وسيموت قبله مصريون آخرون يهمهم أن يعرفوا كيف استطاع الدكتور زكي مبارك أن يكون أصدق من استرقتْ بغداد.