للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

في العالم الإسلامي؛

من هذه العناصر المختلفة التي أشرنا إليها في اختصار تألفت فلسفة الإسلام، فإذا كان مذهب (أرسطو) عمادها القوي، فإن (أفلاطون) و (أفلاطن) قد أقرضاها مواد غير قابلة للأنكار، وقد لوحظ منذ زمن بعيد ما في الفلسفة الإسلامية من مخلفات الأفلاطونية الحديثة، إلا أنه لم يحدد بعد بالدقة المصادر التي أخذت عنها هذه المخلفات. فتارة يبحث عنها في إنياد (أفلاطن)، وأخرى في كتاب الربوبية وكتاب الخير المحض اللذان ينسبان خطأ إلى (أرسطو). فأما (أفلاطن) أو (الشيخ اليوناني) كما يسميه (الشهرستاني) فلم يترجم قط إلى العربية، وما ينقله (الشهرستاني) من آرائه يرجع إلى ما كتبه فلاسفة الإسكندرية الآخرون. وأما كتاب الربوبية وكتاب الخير المحض فقد نقلا من غير شك نظرية (أفلاطن) إلى المسلمين، غير أنه يجب أن نضيف إلى هذين الكتابين بين مؤلفات شراح (أرسطو) من فلاسفة الإسكندرية الذين أشرنا إليهم آنفاً. فإن هؤلاء الشراح لم يقدموا للعرب المذهب الأرسطي في صورته القديمة، بل مختلطاً ببعض النظريات الأفلاطونية والرواقية وأجزاء من الأفلاطونية الحديثة، ويدهشنا أنه لم يتنبه أحد بعد إلى هذه النقطة برغم مالها من أهمية، وإن من يتأمل قليلاً يدرك أن واحداً (كبورفير) أو (كسميليوس) إن شرح (أرسطو)، فإنه لا يستطيع التخلص تماماً من آرائه الشخصية، أو التخلي بتاتاً عن نظريات مدرسته، لذلك لم تنتج الحركة الفلسفية التي قام بها علماء الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي، والتي بينها (رينان) و (رافيسون) بياناً شافياً، مذهباً أرسطياً خالصاً، بل نظرية مشوية بعناصر مختلفة، فقد كان شراح الإسكندرية معنيين بالتوفيق بين (أرسطو) (وأفلاطون) من جانب، وبين الأول وجماعة الرواقيين من جانب آخر، وهذا التوفيق نفسه هو أوضح خاصة من خصائص الفلسفة الإسلامية. ونعتقد أنا إذا أردنا أن ندلي بحكم دقيق على هذه الفلسفة، فلابد أن يكون بين أيدينا شروح فلاسفة الإسكندرية وشروح كبار أتباع (أرسطو) الأول، وما دامت هذه الشروح لم تدرس دراسة وافية فإن آراء وأحكامنا المتعلقة بتاريخ الأفكار الفلسفية في الديار الإسلامية ستبقى ناقصة ومؤقتة.

إبراهيم بيومي مدكور دكتور في الآداب والفلسفة

<<  <  ج:
ص:  >  >>