الألوف من أبناء الجزيرة العربية. والتي خلقت في نفوس الشعبين تلك الموجدة التي تذكو نارها تارة وتخمد أخرى. . .
وكتب التاريخ الزائف قصص البطولة والنصر لجيوش الخليفة وولاته في مصر، على الدعوة الثائرة المتمردة في جزيرة العرب. هذه الجيوش المغلوبة على أمرها، والمسخرة لأطماع الولاة وأهوائهم. والتي حبست عشرات السنين عن أن تودي واجهتا الحق حين كان أشراف مكة يرشون السلاطين والولاة: ثم يعيثون في الأرض المقدسة فساداً، فيقتلون ويسلبون، ويغرون سفهاء البدو فيهدرون دماء الحجاج، وينهبون أموالهم ويهتكون أعراضهم، ولا يرسلون من هذه الجيوش إلا كتيبة لحراسة (المحمل) وهي تحدو ركبه بالطبول والمزامير.
ويبدو أن لتلك الحروب أثراً كبيراً في توقف الدعوة الوهابية عند خطوتها الأولى، وهي المناداة بالشريعة الإسلامية لتكون أساس الحكم، والرجوع إلى الكتاب والسنة في كل أمر، واستنفار أهل البادية ذوي الحمية والبأس للاضطلاع بأعباء هذه الدعوة. أما ما وراء ذلك من خطوات تتصل بتدعيم هذه الدعوة بالعلم، وتخرج أفواج الدعاة الذين لا يقتصرون على سورة الحماس الديني، دون البصر بشريعة الإسلام في الحياة؛ وتعبئة قوى الأمة للتحرر الديني والسياسي - فذلك ما قصرت عنه الأسباب، وما انتهى بالدعوة إلى أضيق الحدود.
ولقد كان من أثر ذلك أن الملك عبد العزيز ذاته، حين أراد أن يخرج قليلاً من نطاق تلك الحياة الجامدة الراكدة، وأن يدفع بلاده خطوات يسيرة في سبيل الحياة؛ أنقلب عليه أشد أعضائه وأنصاره من (الإخوان) أعداء ألداء، ووقعت بينه وبينهم فتنة دامية، انتهت بغلبته عليهم، ووقوع زعيمهم فيصل الدويش أسيراً في يده، وعندئذ تنفس الملك عبد العزيز الصعداء وقال: من اليوم سنحيا حياة جديدة!