الركب حتى أدرك النبي (ص) فأسلم ورجع إلى قبيلته يبشرهم بالإسلام وجعل رجال القبيلة الذين بلغهم خبر مرور النبي (ص) بأم معبد يفدون على خيمتها: يستوصفونها صفة النبي، وهي تصفه لهم. حتى قال لها بعضهم:(يا أم معبد! ما بال وصفك للرسول أوفي وأتم من وصفنا له لو رأيناه نحن معشر الرجال؟ فقالت: (أما علمتم أن المرأة إذا نظرت إلى الرجل كان نظرها أشفى من نظر الرجل إلى الرجل؟) ومعنى (أشفى) أدق وأكثر استقصاء وانتباها أحسنت فيما قلت يا أم معبد! غير أن علماء الحديث اعترضوا عليك في قولك أن النبي كان (أقرن) أي مفرود الحاجبين مع أن الذين وصفوه من الصحابة غيرك قالوا إنه كان (أفرق) أي مفروق الحاجبين متباعدهما لا مقرونهما. وقولهم هو الصحيح في وصفه
وعندي أن (أم معبد) لم تخطيء في الوصف كما زعموا، تقل (أقرن) وإنما قالت (أفرق) لكن النساخ هم الذين حرفوا كلمتها وما أسهل وقوع التحريف بين (أفرق) و (أقرن)
ندع خيمة أم معبد وننطلق مسرعين إلى يثرب
فماذا نرى؟
نرى المدينة المشرفة قد تألقت وتأرجت حتى أصبحت تحكي باقة زهر، أو ابتسامة ثغر، وقد برز سكانها إلى ساحاتها وضواحيها، وأخذوا يروحون ويغدون بينها وبين (قبا). و (قبا) قرية تبعد نحو أربعة كيلومترات عن المدينة
ونسمع فئات من الفئتين يتجادلون في النبي (ص) هل يبيت في (قبا) أو أنه بعد أن يستريح فيها يجيء المدينة؟
وكانوا يتواصفون ويذكرون من جماله وهيبته. فقال بعضهم اسمعوا: جئت الآن من (قبا) وقد رأيت أبا بكر واقفا على باب البيت الذي فيه النبي فحسبته النبي نفسه. وذلك لما رأيت من مهابته، وجلال قدره، والشيب الظاهر في لحيته. فتراميت عليه مرحبا متبركا، وإذا هو يمسكني بيدي فيقودني إلى داخل البيت ويقول هذا هو نبيك. فإذا لحيته الشريفة سوداء ليس فيها شيب. مع أنه أكبر من أبي بكر بثلاث سنوات. وكان النبي في نحو الخمسين من عمره ولما خرج النبي من قبا متهيئا للمسير إلى المدينة وقف أبو بكر يظلله بردائه وقاية له من حر الشمس. فعرفه الناس حينئذ. وجعلوا يهتفون إليه بالتحية والترحيب والإجلال