للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

هذا، وعلى الرغم من ولع المؤلف بالتاريخ وتقيده به، فقد فاته أن يستغل امرأة قوية لها قصة مشهورة في حياة الحجاج، وكان يبنه وبينها صراع عنيف، لو جسمه المؤلف وسلط عليه أضواءه، وركز فيه موضوع مسرحيته، لنفذ إلى قلب الحجاج. . . تلك المرأة هي هند بنت أسماء التي تزوجها قسراً، فذهبت إلى الخليفة تشكو إليه أمرها، فأجبر الحجاج على تطليقها، وأمره أن يقودها إليه وهو يمسك جملها، ليتزوجها فلما كانت في بعض الطريق، ألقت بدينار، وقالت للحجاج (قد سقط مني درهم فأتني به) فبحث فوجد ديناراً فقال (بل هو دينار) فقالت (الحمد لله الذي أبدلنا الدينار بالدرهم) وهي أيضاً التي قالت فيه:

وما هند إلا مهرة عربية ... سلالة أفراس تحللها بغل

فإن ولدت مهراً فلله درها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل

فلو استبدل المؤلف الأهوازية بهند، وكمل الحقيقة بالخيال لأقام صراعاً عاطفياً قوياً يرتكز على أساس من الواقع.

وإذا نظرنا إلى بناء المسرحية. . وجدناها لا تقتصر على حادث مسرحي واحد يرتكز فيه موضوعها، بل هي تتضمن أحداثاً مختلفة تصور حياة الحجاج السياسية الحربية والاجتماعية والعاطفية كقصته مع روح بن زنباع، ورميه الكعبة بالمنجنيقات وقصته مع عفراء، وعبد الله بن جعفر، وحربه مع شبيب، ومحاصرة قصره، وقصة مرضه وحادث الأعرابي، وقتل سعيد بن جبير، ثم وفاته. فكل هذه الأحداث قد أخلت بوحدة الحادث المسرحي، فقضت على التركيز، وكانت سبباً في تشتيت انتباه المشاهد. ولانعدام الرابطة بين هذه الأحداث، ولدورانها حول شخصية الحجاج فقد طغى على المسرحية جانب العرض. وليس لهذه المسرحية عقدة، ولا يعرف لها بداية ولا نهاية، فكل منفصل عن الآخر، ومن السهل أن نبدأ المسرحية من أي منظر فيها وننهيها بأي منظر يتلوه، ولو حذفنا أي منظر لما أحسسنا بنقص فيها.

ولانعدام التعارض بين الشخصيات الرئيسية، وبعد المؤلف عن الصدق في تصوير الطباع والميول البشرية، انعدم الصراع المسرحي الذي يثير المشاهد ويحرك قلبه، وأصبح من المتعذر جذب انتباهه إلى خط سير الأحداث، وإثارة غريزة حب الاستطلاع في نفسه، ليتطلع إلى الأحداث اللاحقة.

<<  <  ج:
ص:  >  >>