للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

لا جدال في أن الأدب العربي الحديث قد سما سموا عظيماً في كثير من الفنون، ولكني مع ذلك أراه تخلف أقبح التخلف في دعوة الناس إلى تدبير المعاش، وأنا أقترح أن يكون عندنا أدب يسمى (أدب المعاش) وهو الأدب الذي يعلم الناس كيف يقتصدون، وكيف يدخرون، وكيف يواجهون مطالب الحياة في الشباب والمشيب، بجيوب سليمة من مرض الإفلاس، فما يذل الرجال غير الفقر، أعاذنا الله وأعاذ جميع الأحرار من رؤية وجهة البغيض

ولتوضيح هذا النقص في اتجاهاتنا الأدبية أسوق الفكاهتين الآتيتين: لقيني الشاعر حافظ إبراهيم يوماً فقال:

- هل رأيت ما صنع شوقي؟

- ماذا صنع شوقي؟

- نظم قصيدة في (بنك مصر) مع أنه لو اختلف مع هذا البنك على مليم واحد لساقه إلى ساحة القضاء!

- ومعنى هذا أنك لا ترى أن تقال في (البنوك) قصائد؟

- القصائد لا تقال إلا في الأزهار والرياحين

ولقيني الشاعر عباس العقاد يوماً فقال:

- قد نفيناك عن فردوس الأدب

- وما سبب هذا النفي، يا حضرة الأستاذ؟

- لأنك بنيت بيتاً في مصر الجديدة، والأدب لا يعرف مثل هذا الثراء

وقد اعتذرت للأستاذ العقاد بعبارة لطيفة، عبارة تقول بأن شهرتي بالأدب هددت سمعتي المالية، فكان من واجبي أن أبني بيتاً ولو بالتقسيط، لتحسن سمعتي في سنتريس

والحق أن أدباءنا قد انصرفوا عن تعليم أنفسهم وتعليم قرائهم فكرة المعاش، ولو شئت لقلت إنهم يتباهون بالتبديد لما يملكون. وهذا خطر يجب التحذير من عواقبه السود، وأنا أنبه نفسي وأنبه تلاميذي وقرائي، فلأسمع وليسمعوا، ولعل فيهم من يعي كلامي بأكثر مما أعي كلامي

لا يعاب على الأديب أن يقص بعض وقائعه الغرامية، فمنذ عهد امرئ القيس إلى اليوم والشعراء يتباهون بحوادث الضم والعناق والوصال، والأمر كذلك عند شعراء الأمم

<<  <  ج:
ص:  >  >>