للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مخالف للأقيسة بأسرها، فإن حلب اللبن تعد وضمان التعدي يكون بالمثل أو القيمة والصاع من التمر ليس بواحد منهما)، اهـ (ص٢٦٩)

كلامه هذا يفهم شيئين: الأول أن الحنفية يقدمون القياس على حديث أبي هريرة إذا عارضه. الثاني أنهم يرونه غير فقيه؛ ونسبة الأمرين إليهم نسبة غير صحيحة. أما في تعارض الخبر والقياس فالإمام وصاحباه وجمهور الحنفية على أن الخبر مقدم على القياس مطلقاً سواء كان الراوي فقيهاً أو لا، وذهب فجر الإسلام - واختاره ابن أبان وأبو زيد - إلى أن الراوي إن كان فقيهاً قدِّم خبره على القياس مطلقاً، وإن كان غير فقيه قدم خبره أيضاً على القياس إلا إذا خالف جميع الأقيسة وانسد باب الرأي؛ وبهذا تبين أن الحنفية لا يقولون بتقديم القياس على الخبر ومن ذهب منهم إلى تقديمه عند انسداد باب الرأي يعممه في كل خبر راوية غير فقيه لا بخصوص أبي هريرة وأما أن أبا هريرة غير فقيه، فهذا لم يقل به غير فجر الإسلام وصاحبيه المذكورين، وقد شنع الحنفية عليهم قولهم هذا وردوه أبلغ رد كما هو معلوم لمن يطالع أصولهم، فنسبه القول بذلك إليهم نسبة باطلة.

ولك أن تتساءل كيف نسل الأستاذ إلى الحنفية كل هذا وهم منه براء؟ والجواب أنه قد اعتمد في كتابه فصل الحديث في فجر الإسلام على (مسلم الثبوت وشرحه)، أكثر من أي كتاب آخر، وشارح المسلم لما تعرض لقول فخر الإسلام موافقيه وأبان عن وجهة نظرهم قال: (ومثلوا لذلك بحديث المصراة، وهو ما روى أن رسول الله الخ الحديث. قالوا أبو هريرة غير فقيه وهذا الحديث مخالف للأقيسة كلها إلى أن قال: وفيه تأمل ظاهر فإن أبا هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته الخ. . .). ولا يخفى أن الضمير في قالوا راجع إلى فخر الإسلام ومن وافقه، ولكن الأستاذ أحمد أمين حول الضمير إلى الحنفية، ونسب قول فخر الإسلام إليهم، ولا أدي كيف تغاضى عن سياق الكلام، وكيف تغاضى عن اعتراض الشارح على القول بعدم فقاهة أبي هريرة، وكيف تغاضى عما في كتب الأصول من النص على فقه أبي هريرة والرد على فخر الإسلام ومن تابعه في قولهم ذاك؟

وصفوة القول أن ما نسبه الأستاذ إلى الحنفية في هذه المسألة غير صحيح وإنما هو لفخر الإسلام لم يوافقه عليه غير اثنين، وهو قول مردود من الحنفية أنفسهم.

مصطفى حسني السباعي

<<  <  ج:
ص:  >  >>