للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بأنفسهم، فهم رجال المستقبل وعماد الحياة، وهم خير من آبائهم، وستكون الأمة في منتهى الرقى يوم يكونون رجالها - وقد يكون هذا حقا، ولكن للشباب أغلاطه الجسيمة التي تتناسب وهمته، وله غروره واندفاعه، وله تهوره وإفراطه في الاعتداد بنفسه - فكان على المصلحين أن يكثروا القول في المعنيين على السواء، فيشجعوا وينقدوا، ويبشروا وينذروا، ويرغبوا ويرهبوا حتى تتعادل قوى النفس، وحتى يشعروا بمحاسنهم ومساويهم معا - ولكن هؤلاء القادة - مع الأسف - وقعّوا فقط على النغمة التي تعجب الشباب وتحمسهم ولم يجرءوا أن يجهروا بعيوبهم، ولا أن يقولوا ولو تلميحا - في مواضع النقص من نفوسهم - فكان لنا من ذلك شباب استرسلوا في الأيمان بقول الدعاة إلى أقصى حد، واعتقدوا انهم كل شيء في الحياة وانهم فوق أن يسمعوا نصيحة ناصح أو ناقد - وكان هذا نتيجة لازمة بعد أن وقف القادة منهم هذا الموقف - وقد يكون هذا رد فعل للماضي أيضا - فقد كان طالب العلم في الجيل السابق يقدس قول أستاذه، وهو وأستاذه يقدسان ما في الكتاب الذي يتلى، وكان الشاب يجل الشيخ في قوله وفعله، ولا يرى أن له صوتا بجانب صوته، ولا رأيا بجانب رأيه، فكان سلوك هذا الجيل انتقاما من الجيل السابق، وذهابا في الإفراط يعادل إفراط آبائه، ولكن أظن أنا وصلنا إلى حد يجعلنا نفكر جديا في تثبيت هذه الذبذبة ووقفها الموقف الحق

أن وقوف القيادة من الجمهور موقف الملق قلب للوضع، فالعالم إذاقال برأي للناس لم يكن لعلمه قيمة، والمصلح إذادعا إلى ما عليه الناس لم يكن مصلحا

إني أفهم هذا الوضع في التاجر يسترضي الجمهور لأن نجاحه في تجارته يتوقف على رضاهم، وأفهم هذا في المعنى يقول ما يعجب الناس لأنه نَصَب نفسه لإرضائهم، واستخرج إعجابهم، ولكني لا أفهم هذا في قائد الجيش، فان له مهمة أخرى، وهي أن يظفر بخصمه، فلو كان همه أن يسترضي جنده لا أن ينتصر على عدوه لما استحق لقب القيادة لحظة، ولكان الوضع الحقيقي أن الجند هم القادة والقادة هم الجند

كذلك الشأن في قائد العلم وقائد الأدب، والمصلح الاجتماعي فلكل منهم غرض يرمي إليه في علمه أو أدبه أو إصلاحه، وله خطة يريد أن يحمل الناس عليها رضوا أم كرهوا

بل لا يعد المصلح مصلحا حتى ينبه الناس من غفلتهم، ويحملهم على أن يتركوا ما ألفوا

<<  <  ج:
ص:  >  >>