للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بينهما الكأس والطاس

وأن كان شرها في المال حدثه عن الضياع ومحاسن الأراضي وكيفية استغلالها، والعمارات وجبايتها، ووازن بين أنواع العقار وكم في المائة يمكن أن تغل، وأعانه في مشاكله وبذل له كل أنواع معونته، فوجد فيه صديقه النافع وخليله المواتي

وهدته حاسته هذه أن يعمد إلى عدد من الرؤوس الكبار ذوي النفوذ فينصب لهم حبالته، ويوقعهم في شبكته، بما يبذر من حب ذي أشكال وألوان، فإذا تم له ذلك خضع له الصغار من تلقاء أنفسهم وطوع أرادتهم، وضرب لهم مثلاً بقضاء حوائج لبعضهم ما كانت تقضى من غيره، فهو مقصد جميعهم ومحط آمالهم وموضع الرجاء منهم، يعملون كلهم في خدمته على أمل أن ينالوا شيئاً من جاهه، فإذا هو سيد على الصغار والكبار، وإذا هو عظيم حيث كان، يقابل بالإجلال والإعظام، ويملق من أتباعه وإخوانه، ويحسب حسابه في دائرته وأوسع من دائرته

إلى جانب هذه الحقائق القليلة قدر كبير من التهويش، فهو يزعم أنه في كل ليلة جليس الكبراء والوزراء، كم يتغزلون فيه ويطلبون القرب منه وهو يتأبى عليهم، ويبتعد عنهم، وهو لو شاء لكفت إشارة منه لأن يرفع من شاء في أعلى عليين، ويخفض من شاء إلى أسفل سافلين - الوزارات في يده، ومصالح الحكومة في إصبعه - والإنجليز يخشون بأسه، والفرنسيون يقضون مصالحهم على يده - وبريده كل يوم من خارج القطر ينوء السعاة بحمله، ثم لا أدري كيف اتصل بالجرائد فهي تشيد دائماً بذكره، فإذا تحرك حركة أعلنتها على الناس كما تذاع حركات الملوك، فهو مسافر إلى الإسكندرية، وقادم من الإسكندرية، ومبحر إلى أوربا، ومنتقل في عواصم البلدان، وعائد إلى مصر بعد أن رفع شأنها، أعلى مكانها، حتى لم يبق إلا أن تخبرنا ماذا أفطر، وكيف أفطر، وفي أي ساعة تناول غداءه، وماذا كانت أصنافه، وهل غفا قليلا إلى زوجه وأولاده

وهو يستغل هذا كله في قضاء مصالحه، فطلباته ناجزه نافذة، والمستحيل لغيره جائز له، والأموال تكال له كيلا، والهدايا تنهال عليه انهيالا، وه مع كل ذلك لا يشبع، كلما نال مطلبا تفتحت له مطالب، فهو في طلب دائم، ومن بيدهم الأمور في إجابة دائمة، حتى ليوشك - إذ لم يتعود الرفض - أن يطلب النجوم تزين غرفته، والسحاب يمطر في الصيف حديقته،

<<  <  ج:
ص:  >  >>