وغفلوا عن أن تفاضل المدنيات ليس أساسه القوة، ولكن إحسان استعمال القوة في سبيل الحق: سبيل الله، وإلا انقلبت تلك القوة على المدنية المغترة فزلزلتها وصيرتها إلى ما يصير إليه الباطل من الزوال
هذه الناحية العلمية هي فخر هذه المدنية الحديثة، بها ستذكر في المدنيات إذا ذكرت المدنيات بأنبل ما فيها وأفضله وأصدقه، بعد أن تصبح كما أصبحت المدنيات قبلها أحاديث. ثم هي الناحية الواحدة التي اتحدت فيها هذه المدنية بالفطرة، وإذ كان الإسلام دين الفطرة فهي الناحية الواحدة التي تم فيها الاتصال بين المدنية الحديثة وبين الإسلام
هذه دعوى قد تحتاج عند بعض الناس إلى تفصيل وتحديد أو - أن شئت - إلى دليل أو برهان مادام الناس ليس كلهم قد درسوا العلم، ومادام من درسوا العلم ليسوا كلهم يعرفون شدة الصلة بينه وبين الإسلام
أما إن الإسلام يؤيد العلم عامة ويحض عليه ويكبر منه فأمر يعرفه كل من له إلمام ولو ببعض الآيات والأحاديث الواردة في العلم. فالذي يقرأ من الحديث الصحيح مثل قوله صلى الله عليه وسلم:(طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقوله: (اطلبوا العلم ولو بالصين) وقوله: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، والذي يعرف ما فعله الرسول صلوات الله عليه بعد بدر من جعله فداء بعض فقراء الأسرى تعليم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة، يعرف من غير شك إن الإسلام هو دين العلم والتعلم. فإذا تلا من كتاب الله مع ذلك مثل قوله تعالى:(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(شهد الله إنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم، قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم)، والآيات الكثيرة التي جعل الله سبحانه العلم فيها حكما بين النبي ومجادليه مثل قوله تعالى على لسان نبيه:(آتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنم صادقين) - إذا تدبر الإنسان هذه الآيات الكريمة وأمثالها بعد تلك الأحاديث أدرك أن العلم على إطلاقه لم يُكبر في دين من الأديان كما اكبر في الإسلام، وأن ديناً لم يلزم أهله بالعلم والتعلم كما ألزم الإسلام المسلمين
هذا التأييد التام للعلم على إطلاقه يشمل طبعاً التأييد التام للعلم بمعناه الخاص: معناه الطبيعي المستعمل فيه اللفظ اليوم؛ لكن ليس هناك من حاجة إلى مثل هذه الحجة على