للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال بعضهم: دخلت كهفًا فوجدت شيخًا قد نحل من الهرم وهو ساجد يبكي، ويقول: لئن أطلت عنائي (١) في الدنيا وعذبتني في الآخرة، لقد أبعدتني وأهنتني يا كريم. فلما قضى سجوده سلمت عليه، وقلت له: ما حملك على الانقطاع؟ قال: يا أخي، من طلب الله لم يرض بغيره عوضًا، فحيثما وجدت قلبك أقرب إلى الله فلا تطلب غيره. قلت له: فالقوت من أين؟ قال: الأمر أقل من ذلك؛ إذا احتجنا إلى ذلك فنبات الأرض وقلوب الشجر. قلت: ألا أحملك إلى مواضع الخصب؟ قال: الخصب حيث يطاع الله ﷿، ولا حاجة لي بالناس. قلت له: أوصني. قال: لا تدَّخر من نفسك شيئًا، ولا تؤثرن بحظك من الله أحدًا، وارع حدود الله عند مغالبة الهوى، ولا ترد بعملك غير الله تعالى والسلام. ثم اشتغل عني بالبكاء (٢).

فانظر رحمك الله! إلى خوف أهل الطاعة، مع كثرة الاجتهاد والانقطاع والقناعة؛ (وإلى أمننا) (٣) مع الاختلاط بالناس، والتخليط، وحب الدنيا، وترك العمل الصالح مع وجود الاستطاعة، والمصيبة العظمى غفلة أحدنا عن الموت وأهوال يوم الساعة مع كثرة الإفلاس وقلة البضاعة.

كان مالك بن دينار (رحمنا الله تعالى به) (٤) إذا صلى ورده ليلًا يقول: إلهي خلقت دارين وخلقت لكل دار أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرِّم شيبة مالك على النار (٥).


(١) في (ب): غيابي.
(٢) لم أقف عليه، وسلوك هذا الشيخ مخالف لمنهج النبي وسنته وهديه المتواتر في عبادته ومعيشته ومعاناته لشؤون الحياة، وهو أعلم الناس بالله وبدينه وشرعه، وأتقاهم له، وأعظمهم خوفًا وعبادةً ورغبة فيما عند الله ﷿، وخير الهدي هدي محمد . (ت)
(٣) في (خ): ولا تمتنا.
(٤) ليست في (ق). وهذا من التوسُّل الممنوع، وهو من الوسائل المؤدية إلى الشرك، لهذا قال جمهور أهل العلم بتحريمه، وهو مذهب الحنفية أيضًا. (ت)
(٥) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٢٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٦١ بنحوه دون قوله: إلهي خلقت دارين. وانظر «إحياء علوم الدين» ١/ ٣٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>