فطلب مؤلفَ الكتاب عند النزع، وقال للحاضرين: اقرؤوا القرآن حتى أسمع، … » (ص: ٢١٣).
وقد يذكر المكان ولا يحدد الزمان فيقول:«قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! … »(ص: ٧٢١).
ابن بيدكين في مكة المشرَّفة:
وأخيرًا نلتقي بابن بيدكين في المسجد الحرام، وقد قدم للحجِّ واصطحب معه أهله، وطابت له الإقامة فاختار المجاورة:«وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرَّفة هو وعيالُه»(ص: ٣٧٣). ولم يحتج إلى وقت طويل حتى يتعرف على البيئة المكية، فقد التقى بعلمائها، ورصد عوائد العامة فيها، فوجد فيها كثيرًا من المخالفات، فصحَّت نيته في تأليف كتابه هذا في موضوع اهتمَّ به، وجمع بعض مادته أثناء إقامته في القاهرة، يقول ﵀:«وهذا حديث صحيح، لكن قلته بالمعنَى؛ لأنِّي نسيتُ أن أنقله على الوضع، وكثير من حكايات الصالحين ذكرتهم بالمعنى، وقد جوز هذا بعض العلماء، وهو تيسير لمن حل بقلبه الغفلة والعمى؛ فإني ألَّفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريده الإنسان من الكتب»(ص: ٤٩٦)، إنه يعقد هنا مقارنة بين مكة والقاهرة في النشاط العلمي والاهتمام بالكتب.
ويُشعرنا ابن بيدكين أنَّ السنَّ قد تقدَّمت به، فمن المؤكد أنه الآن قد جاوز الخمسين حيث يقول:«ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب الآجالَ، وبعَّد الآمالَ»، وفي نسخة:«فقد قرُب الأجلُ، وبعُد الأملُ»(ص: ٤٠٨)، وهذا يتوافق مع تاريخ التقائنا به في دمشق وهو شاب بين عامي (٦٦٠) و (٦٧٠)، إنه الآن في أوائل القرن الثامن، فنجده يختم كتابه بهذا الكلمات:«ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية».