والجعبريُّ هو الشيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القرَّاء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري ثم الخليلي الشافعي (٦٤٠ - ٧٣٢)﵀. وقد ذكر ابن كثير في ترجمته أنه اشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يُقرئ الناس، ودفن ببلد الخليل. فيظهر لنا من هذا أن ابن بيدكين دخل مدينة الخليل بعد سنة (٦٩٠)، فربما دخلها وهو في طريقه إلى مكة المشرَّفة، وقد يكون دخلها قبل ذلك وهو في طريقه من الشام إلى مصر.
[ابن بيدكين في مصر]
ابن بيدكين لا يتوخَّى الدقة والتفصيل فيما يذكره، فقد ذكر جعبريًّا آخر، لكن إقامته في القاهرة، وهو الشيخ الزاهد إبراهيم بن مِعضاد بن شداد الجعبري، ولم يصرِّح بالسماع منه (ص: ١٦٠)، وصرَّح في موضع بالرواية عنه بواسطة من يثق به (ص: ٦٤٥)، فلا ندري هل أدركه صاحبنا أم لا؟ فقد توفي ابن معضاد في محرم سنة (٦٨٧)﵀، وعدم معرفتنا بهذه التفاصيل الدقيقة يعيق رسم خريطة طريق واضحة لتنقلات التركماني. فقد يكون أقام في فلسطين ثم انتقل إلى مصر، وقد يكون الصواب عكس هذا، ولن نزعم أنه خلال ذلك أقام في الإسكندرية، وإن كان أبرز شيوخه إسكندرانيًّا، فمن المؤكد أنه التقى به في القاهرة، هذه المدينة التي حوت النشاط الأوسع من حياة ابن بيدكين، ففيها لقي الأشياخ، وجالس العلماء، ودخل في مناقشات مع بعض الفقهاء وغيرهم، كما كانت له صلات قوية بمجتمعه، وهذا جملة ما أذن لنا ابن بيدكين أن نطَّلع عليه:
شهد التركماني في القاهرة جهدًا محمودًا من أحد الولاة في القضاء على بدعة عيد الشهيد، فقال: «ولقد رأيت رجلًا يقال له: الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة