وفاة خادمه الذي دفن بجانبه رحمهما الله. لقد أدرك ابن بيدكين ذلك الشيخ العالم، وربَّما تعرَّف عليه بوساطة صاحبه وأخيه في الله، وكان تركمانيًّا أيضًا، فطلب العلم عنده، كما يدلُّ عليه قوله:«فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته».
إن الوصف الذي ذكره ابن بيدكين عن حال الشيخ التركمانيِّ في أيامه الأخيرة يدلُّنا على أنه مات عن سنٍّ عالية، وهذا يتوافق مع تاريخ الحادثة التي وقعت لصاحبه، فالملك الظاهِر هو بَيْبَرْس العلائي البندقداري الصالحي (٦٢٥ - ٦٧٦ هـ) لُقِّب أيضًا بركن الدين، تولى سلطنة مصر والشام سنة (٦٥٨ هـ)، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج الصليبيين، وفي أيامه انتقلت الخلافة العباسية إلى الديار المصرية سنة (٦٥٩ هـ)، توفي في دمشق. فحادثة صاحب المؤلِّف وقعت بعد سنة (٦٥٨). وربما يكون الانتقال إلى دمشق وقع قبل سنة (٦٧٦)، وهناك التقى ابن بيدكين بذلك العالم التركماني، وبدأ بطلب العلم، ومخاطبة الشيخ له بقوله:«يا بني!»، يدلُّ على أن إدريس كان في ذلك الوقت في سنِّ الشباب.
[ابن بيدكين في فلسطين]
وبعد سنوات نلتقي بابن بيدكين في مدينة الخليل (١) فقد سجَّل لنا قصة مجذوب من مجاذيب الصوفية فقال: «رأيت رجلًا قد وَلِهَ بحبِّ الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل وصلَّى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. قال الشيخ: لا تعطوه الخبز … »(ص: ٧٠٢).
(١) وهي قريبة من بيت المقدس من أرض فلسطين، وفيها مسجد وقبر ينسب إلى الخليل إبراهيم ﷺ، ولا يصح ذلك، كما لا تجوز تسمية الموضع بالحرم الإبراهيمي.