للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجهال، فكل ذلك بدعة وضلال، فأعرض عن ذلك كله، وتوكل على الكبير المتعال؛ ليكون حسبك في جميع الأحوال، وينجيك من الشدائد والأهوال، ويخلصك من القطيعة والأوحال، ويسلمك من البدع وسوء الحال، قال : «من أتى عرافًا فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ» (١).

فإن صحَّ شيء من كلامه وقع مصادفةً لا من قوة علمه بالغيوب ولا مكاشفة، والمنجم لا يعرف عاقبة نفسه، فكيف يعرف عاقبة غيره؟! قال الله تعالى إخبارًا عن نبيه وحبيبه : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].

قال بعض الملوك لمنجِّمه: أريد أركب الساعةَ! فنهاه، فركب الملك وتوكَّل على مولاه، فرجع سالمًا، فدعا المنجِّمَ، وضربه وحبسه، وقطع جامكيته (٢)، وقال له: أنت تعلم عاقبة غيرك، فكيف لا تعرف عاقبة نفسك؟! إن هذه الأشياء تجري عليك (٣).


(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٧٦ (١٠١٦٧)، والدارمي في «سننه» (١١٣٦)، وأبو داود في «سننه» (٣٩٠٤)، وابن ماجه في «سننه» (٦٣٩)، والترمذي في «جامعه» (١٣٥) من حديث أبي تميمة عن أبي هريرة .
قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد رُوي عن النبي قال: «من أتى حائضًا فليتصدق بدينار». فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة، وَضَعَّفَ محمد هذا الحديث من قِبَلِ إسناده.
وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٢).
(٢) الجامكية: رواتب أصحاب الوظائف من الأوقاف، وهو لفظ فارسي معرب.
(٣) في سنة (٢٢٣) غزا الخليفة المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد الرومَ، فأنكاهم نكايةً عظيمةً لم يسمع بمثلها لخليفةٍ، وشتَّت جموعهم، وخرَّب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفًا، وسبى مثلهم، وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجِّمُون أن ذلك طالع نحس، وأنه يُكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخفَ، فقال في ذلك أبو تمام الطائي قصيدته المشهورة، وهي هذه:
السيفُ أصدقُ إنباء من الكتب … في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللَّعب
والعلَمُ في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين، لا في السبعة الشهب
أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصًا وأحاديثًا ملفَّقةً … ليست بعجم إذا عدت ولا عرب
هذه القصة ذكرها ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ٢/ ٢٣، نقلًا عن «نشوار المحاضرة» للتنوخي، ونقلها الذهبي في «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٣٩٥، وفي «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٣٩٠، وأشار إلى ضعفها فصدرها في الكتاب الأول بقوله: «وبلغنا»، وفي الثاني: «قيل»، وهكذا صنع ابن تغري بردي في «مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة» ١/ ١٤٨ فقال: «ويُحكى».

<<  <  ج: ص:  >  >>