للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= بديار مصر: الملك الناصر محمد بن قلاوون، والقائم بتدبير الدولة الأمير: ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستادار السلطان، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر، فقام الأمير بيبرس في إبطال ذلك قيامًا عظيمًا، وكان إليه أمور ديار مصر هو والأمير سلار، والناصر تحت حَجْرهما، لا يقدر على شبع بطنه إلا من تحت أيديهما، فتقدَّم أمر الأمير بيبرس أن لا يرمى أصبع في النيل، ولا يعمل له عيد، وندب الحجاب ووالي القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشُبرا على عادتهم، وخرج البريد إلى سائر أعمال مصر، ومعهم الكتب إلى الولاة بإجهار النداء وإعلانه في الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى، ولا يحضر لعمل عيد الشهيد، فشقَّ ذلك على أقباط مصر كلهم من أظهر الإسلام منهم، وزعم أنه مسلم، ومن هو باقٍ على نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض وكان منهم رجل يعرف: بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة، وهو يومئذ في خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، كما هي عادة ملوك مصر، وأمرائها من الأتراك في الانقياد لكتَّابهم من القبط سواء منهم من أسرَّ الكفر ومن جهر به. وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدّث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك، وخيل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد، فإن أكثر خراج شُبرا إنما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لم يطلع النيل أبدًا، ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النيل. ونحو ذلك من هتف القول وتنميق المكر، فثبَّت الله الأمير بيبرس، وقوَّاه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القول، واستمرَّ على منع عمل العيد. وقال للتاج: إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الإصبع فلا يطلع، وإن كان الله سبحانه هو المتصرف فيه فيُكَذِّبُ النصارى. فبطل العيد من تلك السنة، ولم يزل منقطعًا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. وعمَّر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النيل، ليرمي قوَّة التيار عن برِّ القاهرة إلى ناحية الجيزة، فطلب الأمير يلبغا اليحياوي، والأمير الطنبغا المارديني من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدَّة، فلم تطب نفسه بذلك لشدَّة غرامه بهما، وتهتُّكه في محبتهما، وأراد صرفهما عن السفر، فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشهيد، فيكون تفرُّجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد! وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد، فرضيَا منه بذلك، وأشيع في الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد، فلما كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه ركب الأمراء النيل في الشخاتير بغير حراريق، واجتمع الناس من كل جهة، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات، وتوسع الأمراء في تنوُّع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسعًا خرجوا فيه عن الحدِّ في الكثرة البالغة، وعمَّ الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته، واستمرُّوا على ذلك ثلاثة أيام، وكانت مدَّة انقطاع عمل عيد =

<<  <  ج: ص:  >  >>