للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة ٨٢]. فذكر القسيسين والرهبان، لئلَّا يقال: إن هذا قيل عن غيرنا، ودل بهذا على أفعالنا وحسن نياتنا، ونفي عنا اسم الشرك بقوله: اليهود والذين اشركوا أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا، والذين قالوا: إنا نصارى؛ أقربهم مودة. والجواب أن يقال: تمام الكلام: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (٨٣) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (٨٤) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء المحسنين﴾ [المائدة: ٨٣٨٥]، فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد الذين قال فيهم: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣]. والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وهم الشهداء الذين قال فيهم: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣]، قال مع محمد وأمته. وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين كما قال الحواريون: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، وأما قوله في أول الآية: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ [المائدة: ٨٢]. فهو كما أخبر فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من عداوة النصارى، والنصارى أقرب مودة لهم، وهذا معروف من أخلاق اليهود، فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى، وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود، والعداوة أصلها البغض فاليهود كانوا يبغضون أنبيائهم، فكيف ببغضهم للمؤمنين. وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا، فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم، المؤمنين بجميع الكتب والرسل؟ وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله، ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب، واستحقاق الثواب وإنما فيه أنهم أقرب مودة، =

<<  <  ج: ص:  >  >>