للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والإيمان، وقد يتفق لبعض الرهبان لكثرة رياضته شيء من المكاشفة: يتولَّد من الجوع نور، وتكون تلك المكاشفة استدراجًا لهذا الملعون، وضلالةً لكل جاهل ومفتون، قال الله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢].

فإن قال قائل: المكاشفة كرامة. نسلِّمُ أنها كرامة من كرامات الدنيا، فكذلك العوافي والعزُّ، والغنى والجاه، وحمل الإنسان في البر والبحر، وما أشبه ذلك، يجازى بها الكافر في الدنيا لأجل إحسانه، ثم يسلب ذلك كله عند خروج روحه ويخيب؛ وما له في الآخرة من نصيب، كما اتفق لفرعون وللسامري لعنهما الله: مكث فرعون لأجل كرمه أربع مئة سنة لم يختلج له عرق ولم يضرب له ضرس، وأي بلدة قصدها سيروا له مفاتيحها؛ فملك من مصر إلى بلاد المغرب، وكشف للسامري حين فلق الله تعالى البحر لموسى صلى الله عليه فرأى فرس جبريل كلما وضع رجله على الأرض اخضرت، فقبض قبضةً من أثر حافره، فصنع في غيبة موسى عجلًا لبني إسرائيل من حليهم، ثم رمى القبضة التي أخذها من أثر حافر فرس جبريل في فم العجل، فأحياه الله تعالى، فافتتن به طائفة من بني إسرائيل، فصارت هذه الكرامة مشئومة على السامري، وعلى من عبد العجل.

فانظر رحمك الله تعالى! فعل الخير كيف تعود بركته على صاحبه في الدنيا مع كفره، وأما المؤمن فتعود بركة خيره عليه في الدنيا والآخرة، وفي الأخبار أن شابًّا من اليهود كان يتخدم للنبي (ويقضي حوائجه، فلما مرض عاده النبي (١) وجلس عند رأسه، وقال له: «أسلم تسلم» فنظر الشاب إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فعند ذلك قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم مات، فحمله المسلمون فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وصلى عليه النبي وأصحابه، أجمعين (٢).


(١) ليست في (ق).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٧٥ (١٢٧٩٢)، والبخاري في «صحيحه» (١٣٥٦)، وفي «الأدب المفرد» (٥٢٤)، وأبو داود في «سننه» (٣٠٩٥)، من حديث أنس .

<<  <  ج: ص:  >  >>