وكان كعب الأحبار من أكابر اليهود، فصيره الله مؤمنًا خيِّرًا وبلَّغه المقصود، وكان وهب بن منبه أيضًا من علماء اليهود، فأسلم وشهد بأحدية المعبود، وبذل في طاعة الله تعالى المجهود، قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥].
ثم اعلم بأن المكاشفة بعيدة ممن قد أعمى الله قلبه، وتقع مصادفةً، كما يتفق لبعض المنجمين، وقد تكون ملعَنَةً وخباثةً، ليضلوا بها قلوب الغافلين، وليسقطوا العباد بزيارتهم، وبالإقبال عليهم من رحمة رب العالمين؛ لأن اللعنة إذا نزلت عليهم أصابت من جالسهم. ويجب على ولي الأمر زجر من ظهر من الرهبان وغيرهم من أهل الكفر والطغيان بشيء من هذه الفتن، والملعنة واللائمة، فهي والله حسنة عظيمة، يلقاها العبد يوم الحاجة والفاقة أمامه، فإن قدر ولم يأمره يصير في حسرة عظيمة وندامة. وما تولدت (١) هذه الآفة وغيرها في الملة المحمدية إلا من جهة التهاون في إزالتها حين ظهورها، وتأخيرها من ساعاتها وسنيها وشهورها، وتهاون المسلمون أيضًا في هذه الطائفة الضالة الملعونة، فأظهرت أعيادها ومواسمها على رءوس الأشهاد، وما اكتفوا بذلك حتى طافوا بصلبانهم في بعض البلاد، وأظهر من ترهب منهم شيئًا يضل به العباد، حتى صار جماعة من جهلة المسلمين يتبركون بدعاء الرهبان وبقرصهم، وبصليبهم ويضعونه فوق الجرون، ولا يفعل هذه البدعة إلا كل مدبر مفتون؛ لأن النصارى قد خسروا بكذبهم على الله تعالى الدنيا والآخرة، وهم لا يشعرون، فإن بورك لأحدهم في دنياه فهو ما رزقه الله في الأجل، فالرزق لا يزيد بطاعة أحد ولا بكفره، فثق بربك يا بعيد الأمل، ولا تخرج عن السنة خوفًا من سوء الخاتمة عند فروغ الأجل.