للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المجتمع الذي أنهكته البدع والمنكرات والفواحش، ولم تكن له ولاية شرعية، ولا مكانة اعتبارية تعينه على القيام بهذه المهمة، فكان يرَى في شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية نموذج القدوة والأسوة في مسيرة الإصلاح والتجديد. لقد وجده في كل ميدان: في دمشق مجاهدًا في معركة شقحب (٧٠٢)، ورآه بين العامة وفي الأسواق منكرًا على أصحاب البدع والفسوق من شاربي الخمور ولاعبي الشطرنج، ورفع إليه بصره في مصر فإذا هو أمام داعية إصلاحٍ يُعتدى عليه، ويحارب بالإشاعات والأكاذيب والدعاوى الباطلة، ويُسجن مراتٍ وهو صابر محتسب، لا ينقطع نفعه لأمته حتى وإن غُيِّب خلف أسوار السجن، فيرجع إليه الأمراء والعلماء فيما يشكل عليهم من النوازل، ويقرُّ له المنصفون من خصومه بالإمامة في العلوم، ويشهدون له بالخير والصلاح، والعدل والإنصاف، وعلوِّ الهمة، وسموِّ الأخلاق.

لا شكَّ أن هذا الجانب العملي من حياة ابن تيمية هو الذي جذب ابن بيدكين إليه، وربَّما عُني ببعض كتبه ورسائله المتعلقة بمسائل العبادة والاتباع والتزكية والسلوك، لكنه بيقينٍ لم ينفذْ إلى تلك المساحات العميقة من علوم ابن تيمية، فما له وللصفدية والأصفهانية وبغية المرتاد وبيان تلبيس الجهمية ودرء تعارض العقل والنقل، إذ يكفيه من ابن تيمية ما هو وثيق الصلة بمجتمع العامة، فلا عليه إذن أن يستلهم من ابن تيمية الردَّ على القلندرية أو المرازقة، أو ينسخ بعض رسائله في العبادات والسلوك.

نقف في مكتبة لايدن بهولندة على رسالة صغيرة تحمل الرقم (٢٢٨٩)، وتقع في سبع ورقات، عنوانها: «قاعدة في أفعال الحج تصنيف الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأرضاه»، وكتب إلى اليمين من هذا العنوان: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين بن التركماني الحنفي، تلميذ ابن تيمية الحرَّاني». وقد شُطب على هذه الجملة، ولعلها كتبت لاحقًا ثم شطب عليها بقلم حديث. وفي آخرها: «تمت بحمد الله تعالى وعونه في ليلة يُسفر صباحها عن سادس جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمان مئة».

<<  <  ج: ص:  >  >>