للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قصدوا مجلسه فقال أحدهم: لو سلمتُ من العائلة لتجردت. وقال الآخر: أنا أصلي وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرة. فقال الثالث: إن صلاتي ما ترضيني فكيف ترضي ربي؟ فلما حضروا مجلسه قال في أثناء كلامه: ومن الناس من يقول … فأعاد كلامهم بعينه! (١)

فلا عجب أن يتأثر به صاحبنا، وهو في عداد متعلِّمي العامة، ونجده يستذكر بعض تلك المجالس التي تركت في أعماقه أبلغ الأثر، فيقول: «وقال شيخُنا مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ في كساءٍ إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه!» (ص: ٧٠٦). ولا شكَّ أن ابن بيدكين لم يكن يدرك ما وراء هذه الكلمة من معانٍ خطيرة! (٢)

أما ابن تيمية؛ فللتركماني عوامل أخرى في الانجذاب إليه، إنه كان يرَى فيه نموذج العالم الربَّاني المصلح، الذي تميَّز بانفراده بين علماء عصره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣)، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان يلحظ الفرق بينه وبين غيره من علماء عصره الذي اختاروا الساكوتة على منكرات الولاة والعامة، وربما وافقوهم في عوائدهم. لقد تملَّكت التركماني حماسةٌ قويَّة في الإصلاح، ورغبة عارمة في تغيير واقع


(١) «الدرر الكامنة» ١/ ٣٢٤.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء تحذيره من عقيدة وحدة الوجود عند ابن عربي الصوفي: «يقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العُبَّاد يأخذون من كلامه سلوكهم، فينتفعون بذلك، وإن كانوا لا يفقهون حقائقه» (مجموع الفتاوى: ٢/ ٤٦٩).
(٣) وقد شهد بهذا المؤرخ الحجة ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٤/ ٣٧؛ فذكر في وصف ابن تيمية: «انفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

<<  <  ج: ص:  >  >>