للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولاحظنا أن التركماني قد يخطأ أحيانًا في النقل، فينسب ما نقله ابن عطاء عن غيره إلى ابن عطاء نفسه، وهذا مفهومٌ في ضوء افتقار التركماني للدقة العلمية.

إن تعمُّد ابن بيدكين في إخفاء هويَّة شيخه له أسباب وجيهة، فهو لم يبلغ مرتبة من العلم تمكِّنه من تجاوز شيخه هذا، ولا تمكِّنه أيضًا من الدفاع عنه ومحاججة منتقديه؛ إذا ما أشهر اسمه، فعُرف به، ونسب إليه. ولعلَّ ابن بيدكين كان يدرك أيضًا أن ابن عطاء لا يسلم في سلوكه على الأقل من بعض المؤاخذات، فقد كان متحاملًا وباغيًا في خصومته لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) رحمه الله تعالى، وظنُّنا أن ابن بيدكين كان يتابع أخبار تلك الخصومة، ويتأمل في وقائعها، حيث كانت في تصاعد، حتى حمي وطيسها في شهر شوال من سنة (٧٠٧)، إذ اتفق ابن عطاء مع شيخ الصوفية في القاهرة، ومعهما نحو الخمس مئة من المريدين على تحريض الدولة ضدَّ شيخ الإسلام ، لكلامه في ابن عربي الضالِّ وغيره، فرُدَّ الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، وعقد له مجلس، وادَّعَى عليه ابنُ عطاء بأشياء لم يثبت شيء منها. ومع ذلك انتهى الأمر بحبس ابن تيمية لإنكاره الاستغاثة بالنبي (١). ولعل ابن بيدكين قد شهد هذه الواقعة بعد عودته من رحلة الحجِّ.

لقد كان في شخصيَّة كلٍّ من الرجلين ما يجذب ابن بيدكين، فابن عطاء واعظ مؤثر، كان له رواج بين العامة. قال الذهبيُّ : كانت له جلالة عجيبة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، ورأيت الشيخ تاج الدين الفارقي لما رجع من مصر معظمًا لوعظه وإشارته، وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروِّح النفوس، ومزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم؛ فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير. ويقال: إن ثلاثة


(١) «العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية» لابن عبد الهادي المقدسي، ص: ٢٨٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>