الأول في قوله:«فاشكر أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنة وكسور من الهجرة»(ص: ٥٩٧).
والثاني في قوله وقد ذكر حديث:«صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: … »: «وهاتان البدعتان [وفي نسخة: الخصلتان] المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية»(ص: ٣٠٨).
والحقيقة أن لا تعارض بينهما، فالأول خطاب للقارئ حال تصنيف الكتاب، والثاني إخبار عن ظهور تلك الخصلتين.
إن بنية ابن بيدكين الفكرية، وتكوينه الثقافي لا يُشعره بأهمية تحديد السنة، فيرضى بكلمتي:«كسور» و «أوائل»، وهما تدلَّان بصيغة الجمع هذه على عدد من السنوات تبدأ من السنة الثالثة فصاعدًا، ولا يمكن بحالٍ أن تدلَّا على رأس المئة الثامنة تحديدًا؛ كما ذهب إليه صبحي لبيب.
ونستنتج من هذا أن مجاورة ابن بيدكين امتدَّت إلى سنة (٧٠٣) على الأقل، وربَّما زادت على ذلك قليلًا. أما أول قدومه إلى مكة فكان قبل ذلك بمدة يسيرة لا نعرف قدرها، ودليلنا على ذلك قوله:«وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها»(ص: ٧٨).
وقد وقفنا على ترجمة الخطيب والقاضي من خلال النظر في كتب التراجم:
أما خطيب مكة: فهو تقي الدين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد ابن إبراهيم الطبري، كانت له عناية بالفقه، ولِيَ خطابة مكة سنين كثيرة، وتوفي سنة (٧٠٤)﵀(١).
(١) «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» ٥/ ٩٩ (١٤٧٨)، و «ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد» للفاسي (١٠٩٥).