للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن. ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة حتى شهد المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية، لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها» (ص: ٣٦٣).

قلتُ: طالب العلم المبتدئ تكون عنده حماسة زائدة، وقد يطلق ألفاظًا لا يدرك لوازمها، فإذا تدرج في طلب العلم زاد علمًا بجهله، فندم على ما كان منه. وهذا لا يكون إلا بمضيِّ سنوات، ونستطيع فهم هذا من قوله عن نفسه: «لأنه قرأ القرآن واطلع على العلوم»، وكان قبل ذلك: «من الخيرات محروم»، وهذا ما حمله على الندم لاتهام ذلك المتهتِّك بالزندقة، لكن لم يطل ندمه، فقد اتُّهم بالزندقة فعلًا، وانتهى الأمر بحكم القاضي عليه بالقتل. ولم يذكر ابن بيدكين اسمه، لكن وفَّقنا الله تعالى للتعرف عليه، فهو: أحمد بن محمد البقَقِيُّ المصريُّ، يلقب بفتح الدين، وقد ذكرت ترجمته وقصته مطولًا في موضعه، وتمَّ قتله في يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة (٧٠١)، والقاضي المالكي هو ابن مخلوف (ت: ٧١٨).

وهذا التاريخ يورد علينا إشكالاً حول تاريخ الانتهاء من تأليف الكتاب في مكة لا القاهرة، وسنحقق القول فيه لاحقًا.

ويذكر ابن بيدكين بعض الأخبار من يومياته، ولا يحدد زمانها ولا مكانها، وهي في الأرجح وقعت له أيام إقامته في القاهرة، منها قوله: «ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا … » (ص: ٧٢٠).

ويذكر في موضع آخر ما يدل على منزلته الاجتماعية وسمعته الطيبة: «وكان لي أخٌ من جنس النظر، وكان يتَّبع الأثر، ويحب القرآن والخبر،

<<  <  ج: ص:  >  >>