للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على من صبر على ذهاب دار الفناء حَصُلْتُ له أنا، فمنهم من ترك الدنيا باختيار موافقةً للنبي المختار ولمن تابعه من الأخيار (١)، كما قيل: إن الخليفة رأى الفُضيلَ ودفع له كيسًا فردَّه، وقال: أنا ما أرضى الدنيا لكم فكيف آخذها منكم؟!

وورث بعضُ مشايخ «الرسالة» من أبيه مالًا كثيرًا، ففرقه كلَّه على إخوانه صررًا، فلاموه فيما فعل، فقال: أنا أريد لإخواني الآخرة فكيف أبخل عليهم بالدنيا؟!

كل ذلك خوفًا لكي لا تدخل الدنيا عليهم فتفسد قلوبهم كما أفسدت قلوبنا. كان للصالحين قلوب خافوا على فسادها، ومن لا قلب له على أي شيء يخاف؟ (٢)

البصير يخاف على بصره من العمى والرمد، والأعمى قد أهمل هذه الأمور، قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقال : «إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله ألا وهي القلب» (٣).

ومن العباد من زوى الله سبحانه عنه الدنيا بغير الاختيار، وعوضه ما هو خير منها، وهو الكريم الغفار، أنفق بعض الصالحين جميع ماله على إخوانه، وما بقي يقدر على ما يواري به عورته، فقال له بعض الشَّامتين: جاء في الحديث: «من ترك شيئًا لله عوضه الله ما هو خير منه» (٤) فماذا


(١) في (ق): الأنصار.
(٢) «الرسالة» هي لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (٤٦٥ هـ)، وتعرف بالرسالة القشيرية. ولم أظفر بهذه الحكاية فيها.
(٣) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩١٨)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٧٠ (١٨٣٧٤)، والدارمي في «سننه» (٢٥٣١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٥٩٩)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٤)، والترمذي في «جامعه» (١٢٠٥) من حديث النعمان بن بشير .
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٩٦، وابن عساكر في «تاريخه» ١٠/ ٣٧٤ من حديث ابن عمر بلفظ: «ما ترك عبد شيئًا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه».
قال أبو نعيم: هذا حديث غريب.
وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٠٤١): موضوع.
وقال في «الضعيفة» (٥): موضوع بهذا اللفظ، نعم صحَّ الحديث بدون قوله في آخره: «في دينه ودنياه». أخرجه وكيع في «الزهد»، وعنه أحمد ٥/ ٣٦٣، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١١٣٥) عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: «إنَّك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلا بدَّلَك الله به ما هو خيرٌ لك منه». وسنده صحيح على شرط مسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>