اشتدَّت الأمراضُ على الشيخ الوالد خلال العقد الأخير من حياته، فكان ملازمًا لبيته، لا تنقطع عنه زيارات الأقرباء والأصدقاء والطلاب والمحبين الكثيرة والمتتابعة، حتَّى كان مرضُه الأخير قبل نحو ثلاثة أسابيع، فدخل في الغيبوبة، إلا أنه كان يستمِعُ في أوقات متفرقة للقرآن الكريم، وربَّما أشار إلى خطإِ القارئ عليه في التِّلاوة، وفي حالات الإفاقة النَّادرة كان لسانُه يتحرَّكُ بذِكْرِ الله ﷿ وحَمْدِه، حتى أتاه الأجل المحتوم في التَّاريخ المذكور، ومع أنَّ المدَّة بين موته والصلاة عليه كانت أقلَّ من أربع ساعات؛ فقد اجتمع لتشييعه حشدٌ كبيرٌ من جميع فئات المجتمع وقومياته، ودخلت المدينةُ كلُّها في حزنٍ ظاهرٍ على الوجوه، وأهلُ العلم والتديُّن والخير والصلاح يشهدون له بالخير، ويذكرونه بالجميل، وتلهج ألسنتُهم بالدعاء له، جزاهم الله خيرًا، وتقبَّل دعواتهم، وغفر لوالدينا ووالديهم، ورزقنا وإياهم حسن الخاتمة.
وإنَّ من خير ما أنعم الله تعالى على والدنا ﵀ أنْ شرحَ صدره وهداه ووفَّقه إلى كتابة وصيةٍ موجزةٍ، عليها توقيعُه وختمُه، وقام أخي الحاج عبد الغني أثابه الله بقراءتها على الحضور بعد الدَّفن مباشرةً، فكانت بالغةَ التأثير فيهم، عظيمةَ النَّفع، إذ فيها الوصيةُ بتقوى الله ﷿، ولزوم السنة، ومجانبة البدعة، فمنها قوله ﵀:
«أُوصي أبنائي وإخواني وأقربائي وأصدقائي جميعًا أولًا بتقوى الله وطاعته، ولزوم أوامره، وكثرة مخافته، ثم أوصي وأقول: أنا إذا متُّ تكون الجنازةُ والتعزية شرعيَّةً، يعني لا أريد مجالسَ الفاتحة، ولا مقرئي القرآن، ولا السجائر والقهوة، ولا أريد الحفلات، ولا أريد الخميس، ولا الأربعين، ولا الخمسين، ولا رأس السنة، ولا يوم العيد للسنة الأولى … وإنِّي أُشهِدُ الله تعالى أنَّني بريءٌ من كلِّ فِعْلٍ يخالفُ هديَ رسولِ الله ﵌ من خروج النساء خلفَ الجنازة، والصِّياح، والعويل، والنِّياحة، وتشييد القبر بالرُّخام، والقفص الحديد، ولا أريدُ