المدينة العتيقة، إلى أن نقل سنة (١٩٦٠ م) إلى جامع الحاج إبراهيم بك التِّكريتيِّ، وفي التاسع عشر من شهر محرَّم الحرام سنة (١٣٨٧ هـ)، الموافق للتاسع والعشرين من شهر نيسان سنة (١٩٦٧ م) صدر المرسومُ الجمهوريُّ عن رئيس الجمهورية يومئذٍ الفريق عبد الرحمن محمد عارف؛ بتوجيه جهة الإمامة والخطابة في جامع كركوك الكبير إلى والدي ﵀. وما زلنا نحتفظ بالنسخة الأصلية لذلك المرسوم، وله أهميته ودلالته، فإنَّ منصب الإمامة والخطابة في مسجد المدينة الجامع نيابةٌ عن وليِّ الأمر، ورغمَ علمانيَّة الدولة؛ فإنَّ ذلك الإجراء بقي في هيكل الدَّولة، وهو ممَّا ورثه النظام الجمهوري عن النظام الملكي، وورثه الأخيرُ من تنظيمات الدولة في العهد العثمانيِّ. وفي سنة (١٩٨٠ م) انتقل الوالد إلى جامع اليرموك، حتَّى أحيل إلى التقاعد سنة (١٩٩٧ م)، واستمرَّ في الخطابة في مساجد المدينة؛ حتَّى أقعده المرضُ، رحمه الله تعالى وغفر له.
كان الوالدُ الشيخُ هادئ الطبع، كريم النفس، صبورًا عفيفًا، بعيدًا عن القيل والقال، لم نسمع منه في بيته أو مجلسه كلمةَ فحشٍ أو سبٍّ أو تنقُّص من أحدٍ، كان مسلمًا مسالمًا، قد سلم النَّاسُ من لسانه ويده، وأَمِنُوا بوائقَه، واطمئنُّوا إلى أخلاقه واستقامته، وأقرُّوا بفضله ونُبْله، وعلموا أنَّه غير منافسٍ لهم في دنياهم، ولا راغبٍ في جاههم، ولا ناظرٍ إلى أموالهم؛ فأحبُّوه واحترموه وأجلُّوه، ورأوا فيه القدوة الصالحة، ونموذج الشيخ الصادق؛ فهو كثير الصَّمت، عفيف اللسان، طاهر الأثواب، رفيع الأخلاق، مع تديُّنٍ وصلاحٍ، وثباتٍ على وجهةٍ واحدةٍ، رغم تقلُّب الأحوال وتتابع الابتلاءات والفتن، فقد ابتلي في نفسه بالأمراض الكثيرة منذ كهولته، وابتلي في أبنائه بمرض أربعةٍ منهم بمرض نزف الدَّم الوراثي (الهيموفيليا)، هذا مع قصر ذات اليد، وانتفاء أسباب العلاج والراحة، فكان يشكو حاله إلى الله ﷿، ولا ينزل حوائجه بالنَّاس.
أما خطبه يوم الجمعة فقد كانت مقصد المصلين من جميع فئات المجتمع، خاصة الشباب، فيمتلئ بهم المسجد الكبير وملحقاته، وكان يتقنُ إعداد خطبته، ويُحسن اختيار موضوعاتها، ويجوِّد إلقاءها، فكانت مدرسة