للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

النظاميَّة المبكِّرة، لكن حبَّب الله تعالى إليه طلبَ العلم، فبدأ بختم القرآن الكريم في السادسة عشرة من عمره، وفي سنة (١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م) انتقل إلى بغدادَ، وبدأ بحفظ القرآن الكريم على المتصدِّر للإقراء في جامع المرادية الشيخ المؤذِّن ياسين (ولم يكن الوالدُ يتذكَّر تمام اسمه ونسبه . فكان يعمل نهارَه في الخِبازَة، يضع المصحفَ الشرَّيف على طَرَفِ التنُّور: يخبزُ ويحفظُ، فإذا جاءَ المساء انصرف إلى شيخه، يعرض عليه تلاوته وحفظه، حتَّى أتمَّ حفظ القرآن الكريم في سنتَيْن، وحصل على الإجازة منه، وعاد إلى كركوك سنة (١٩٥٤ م)، ولازم الشيخَ المقرئ ملا حَسُّون ، فعرضَ عليه القرآنَ حفظًا وتجويدًا مرَّتين.

وقد كان أكثرُ النَّاس في تلك الأزمان في غفلةٍ وجهالةٍ بالغةٍ، وكانت البدعُ هي الغالبة على أحوالهم، فكانتْ قراءةُ القرآن الكريم صنعةً يتعلَّمُها القارئ ليقرأ في المآتم والموالد، فيطرب الناسُ لصوته من غير فهمٍ ولا تدبُّرٍ، وهكذا وجد الوالدُ نفسَه بعد تحصيله على الإجازة في التجويد والقراءات، لكن سمتْ نفسه إلى طلب العلم، والتفقُّه في الدِّين، فبدأ بالتَّعليم الدينيِّ في المساجد فدرس النحو والصرف والعقيدة والتفسير والحديث والسيرة والفقه الحنفي والفرائض وغيرها من العلوم والفنون على المشايخ المدرِّسين في مساجد المدينة، وأشهرهم: الشيخ ملا مجيد عريان، والشيخ العلامة ملا عبد المجيد القطب (ت: ١٤٠٦ هـ) وقد أدركْتُه، وزرتُه مرارًا صحبةَ والدي في جامع النُّعمان بالسُّوق الكبير، وكان والدي خلال تلك المدَّة يسافر إلى بغداد كلَّ أسبوعٍ للقراءة على الشيخ عبد القادر الخطيب (ت: ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م) ، فأخذ عنه روايتَي حفصٍ وشعبةَ عن عاصمٍ، وأجازه الشيخُ ترتيلًا وحفظًا. فلمَّا تخرَّج على مشايخه، وأجازوه، عُيِّن إمامًا وخطيبًا، فبدأ بالانصراف عن القراءة في المآتم والموالد، حتَّى تركها كليًّا، رغم شدَّة لوم أقرانه وأصحابه له، واستغرابهم لاعتزاله بعدما نال من الشُّهرة والقبول لحسن صوته وجودة أدائه، ولأنَّ تلك الصَّنعةَ كانتْ مصدرَ كسب مالٍ وفيرٍ، لكنَّه كان صابرًا على حال الفقر والحاجة.

واظب الوالدُ الشيخُ على الإمامة والخطابة في عدَّة مساجد في

<<  <  ج: ص:  >  >>