للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

رضى الله والجنة، وتكون له يوم الفزع الأكبر وقايةً من النار وجُنَّة.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرأفة والرحمة والحنَّة (١)؛ أرسله والقلوب القاسية قد أطلقت في ميادين كُفرها وبدعها للأزمة والأعنة، والأنفس الأمَّارة بالسوء إلى غير الحق والرشاد مطمئنة، فجاهدهم بسيف الصدق ورماح الحق والسِّهام والأسنة، فدخلوا في الدين، واتبعوا ما فرض الله عليهم وسنَّه، وسارَعوا لمَّا سمعوا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣].

فلو رأيت أحدهم إذا أظلم عليه الليل وجنَّه، من شدة خوفه كأن به وَلهًا أو جِنَّة؛ فكان أمير المؤمنين يقول: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْهُ (٢). وقال علي كرَّم الله وجهه: ليتني لم أكُ شيئًا (٣). ورأى أبو بكر الصديق تبنة، فقال: ليتني كنت هذه التبنة (٤).

فانظر رحمك الله إلى خوف هؤلاء القوم مع صحبتهم للنبي واجتهاده في الدين، وجهادهم بين يديه، وبشارته لهم بالجنة. فيا حسرة من لعبت به الدنيا، وفاتته هذه الخيرات والمنة، ويا خيبة عبدٍ ادعى محبة الله ورسوله، ثم خرج عن حكم الكتاب والسنة، ويا سعادة عبد تخلَّق بأخلاق القوم وجعل سنة نبيه وحبيبه دأبه وفنَّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، جُنَّة التوحيد وحصنه، صلاة تصلنا بهم وتدخلنا معهم الجنة.


(١) الحنَّة: رقة القلب، والرَّحمة.
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٣٤)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٦٢١)، وابن شبة في «أخبار المدينة» (١٥٧٩).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
والمروي عنه أنه انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١/ ١١٣ (٢٠٢).
(٤) لم أقف عليه من كلام الصديق ، وإنما هو من كلام عمر . وقد سبق تخريجه. وتحرف في (خ) إلى (بتينة) و (التينة).

<<  <  ج: ص:  >  >>