للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ضيقًا في القبور، وظلمةً يوم النشور، والظلام أحب إلى الله تعالى من هذا النور، وهم سموه سبت النور، وليس هو كذلك عند الرب الغفور، كما قال الواحد المنان: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فصار مثل هؤلاء المدبرين كمثل رجل دنيء الأصل، كثيف، سموه: أيها السيد الشريف، أو كلِصٍّ اسمه عفيف! فهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤم هؤلاء القوم وكذبهم عليهم عائدة، والحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا يبجل قدر أحد لأجل علمه إذا كان الاسم على غير مسمى، والعلم مع غير عامل، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلو أحيَى الله تعالى قلوب هؤلاء المسلمين ما عظموا شعائر الكافرين.

قد تسبخت أرض قلوبهم لارتكاب السيئات، والأرض السَّبِخَةُ لا ينتج فيها النبات، عالية على البلاد، لا تروى من نيل- نيل الأفضال والأمداد يسقي الحياض بفيض المدد الرباني، وهي يابسة عطشانة من لطائف المعاني، وإن بذر فيها حبًّا، انمحق وتلاشى بالأذى، قال المولى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. لا ترى فيها مسجدًا ولا مشهدًا، شيخ بلدها وهو القلب بيته مسودًّا ظالمًا مبتدعًا خارجًا (١)، أضحى عن طلب الحق مفندًا، شيخ من أهل الفسوق لا يقوم بواجبات الحقوق، قد صيَّر بيته خانًا، مأوى للبهائم، وهو في كل وادٍ من أودية الهوى والغفلة هائم، لا يرده إلى الله تعالى لومة لائم، ولا يصغي لقول ناصح، وليس له ورع يحجزه عن المحارم؛ فأفٍّ لهذا القلب من بين القلوب؛ ينسى الله تعالى في الرخاء، ولا يذكره إلا عند الكروب.

فلذلك لا يأخذ الله بيده ولا يغيثه كإغاثة المحبوب، إن وعد أخلف، وإن اؤتمن خان، وإن حدث فهو عبد كذوب، وما أصاب هذا العبد المتعوس هذه المصائب إلا لركونه إلى النفوس، فحُرم الوصول،


(١) كذا تقرأ في النسخ: (بيته … ) وما بعده منصوب، وأقترح: (تجده مسودًّا … )؛ فتستقيم الجملة. (ت)

<<  <  ج: ص:  >  >>