للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= ويقولون: إن سب الصحابة فيه حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة؛ وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن والسنة والإجماع؛ فإن الله يقول في آيتين من كتابه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وبهذا احتج أهل السنة على أهل البدع الذين يقولون: لا يغفر لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا، وذلك أن الله قال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، وهذا لمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه؛ ولو كان ذنبه أعظم الذنوب، وقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذا في حق من لم يتب. الثاني: أن الحديث لو كان حقًّا فمعناه: أنه لا يغفر لمن يتب منه، فإنه لا ذنب أعظم من الشرك، والمشرك إذا تاب غفر الله له شركه باتفاق المسلمين، كما قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾، وفي الأخرى ﴿فإخوانكم في الدين﴾، ومعلوم أن الكافر الحربي إذا سب الأنبياء ثم تاب تاب الله عليه بالإجماع، فإنه كان مستحلًّا لذلك، وكذلك الرافضي هو يستحل سب الصحابة، فإذا تبين له أنه حرام، واستغفر لهم بدل ما كان منه، بدَّل الله سيئاته بالحسنات، وكان حق الآدمي في ذلك تبعًا لحق الله، لأنه مستحل لذلك، ولو قدر أنه حق لآدميٍّ لكان بمنزلة من تاب من القذف والغيبة، وهذا في أظهر قولي العلماء لا يشترط في توبته تحلله من المظلوم، بل يكفي أن يحسن إليه في المغيب، ليهدم هذا بهذا. ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم كما يقولون: هذا زرع البدعيِّ، ونحو ذلك، فإن هذا عظيم لوجهين:
أحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المكفرة لها، بل تكون بدعة المكفرة أغلظ، أو نحوها، أو دونها، وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضًا، فإنه إن قدر أن المبتدع يكفَّر؛ كُفِّر هؤلاء وهؤلاء، وإن قدر أنه لم يكفَّر، لم يكفَّر هؤلاء ولا هؤلاء، فكون إحدى الطائفتين تكفِّر الأخرى ولا تكفر طائفتها، هو من الجهل والظلم، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾.
والثاني: أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة، لم يكن لأهل السنة أن يكفِّروا كل من قال قولًا أخطأ فيه، فإن الله سبحانه قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وثبت في «الصحيح» أن الله قال: «قد فعلتُ»، وقال تعالى: ﴿وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به﴾، وروي عن النبي أنه قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان» وهو حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره. وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن =

<<  <  ج: ص:  >  >>