بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة، منهم من يعتذر إليه، ويتنصَّل مما وقع منه، فقال: أنا حاللتُ كلَّ من آذاني.
وقال القاضي جمال الدين ابن القلانسي وكان حاضرًا في ذلك المجلس: إن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان، واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذه معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي، والوزير، وتحته ابنُ صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته … ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وعاد إلى بثِّ العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه، ورحلوا إليه يشتغلون عليه، ويستفتونه، ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكلَّ في حلٍّ (١).
قلتُ: يتبيَّن لنا من هذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد حظي بالمكانة اللائقة به في مصر مدة ثلاث سنوات فقط من شوال (٧٠٩) إلى أن غادرها متوجِّهًا إلى الشام في آخر شوال (٧١٢). وخلال هذه المدَّة توثَّقت صلة ابن بيدكين بشيخ الإسلام، خاصة أن شيخه الأول ابن عطاء الله؛ كان قد توفي قبل هذا التاريخ في جمادى الآخرة (٧٠٩). ويظهر أثر تلك الصلة في تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، وفي التعديلات التي أدخلها ابن بيدكين على رسالته متأثرًا بالتوجه العلمي لشيخه الجديد.
(١) نقل ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٤/ ٦٠ كلام البرزالي وابن القلانسي بتمامه. وجميع ما ذكرته عن ابن تيمية في هذا المبحث منثور في كتب التاريخ والتراجم، وفي الكتب المفردة عن حياته، منها: «العقود الدرية» لابن عبد الهادي ﵀.