للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بني إسرائيل، حتى ظنوا أنه يفعل ذلك لسوء في بدنه، فخرج يومًا للاغتسال وحط حجرًا على ثوبه، فسار الحجر بثوبه نحو بني إسرائيل فخرج من الماء، وأسرع في سعيه، فلم يلحق ثوبه، فصار يقول: حجر ثوبي. فأنطق الله سبحانه الحجر إذ أنه مأمور بذلك؛ فلما لحقه أخذ يضرب الحجر فأوحى الله تعالى إليه: لا تضربه وأكرمه، فإن الله برَّأك بذلك من العيب، وأمره الله تعالى بحمل الحجر، فحمله موسى، وهو الحجر الذي كان يتفجر منه الأنهار حين وقع بنو إسرائيل في التيه. فرأى بنو إسرائيل جسد موسى ، وليس فيه عيب. قال الله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فعلم بنو إسرائيل أنَّ بعده عن أعينهم لشدَّة (١) حيائه لا من عيب في جسده (٢).

فقد علمت أن الحياء من سنن المرسلين، ومن شعائر الصالحين، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. فمن حرم هذا التوفيق فليس هو لأنبياء الله تعالى وأوليائه برفيق، فمن كشف عورته (بمرأى من) (٣) الناس أو بالحمام، فقد ارتكب الذنوب والآثام، وخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلا يخرج عن الشرع الشريف إلا كل عبد معتدٍ كثيف.


(١) في (خ): من كثرة.
(٢) الذي صحَّ في هذا هو ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣١٥ (٨١٧٣)، والبخاري في «صحيحه» (٣٤٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (٣٣٩)، والترمذي في «جامعه» (٣٢٢١) من حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : «إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا فذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله ما قالوا وكان عند الله وجيها﴾ [الأحزاب: ٦٩]»
(٣) في (خ): في مرأى.

<<  <  ج: ص:  >  >>