للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيجب على هذا الشيخ المسكين أن يعرف قدر هذه النعمة، ويستحي من الله تعالى أن يخرج عن طريق سيد المرسلين.

ثم اعلم بأن الحياء على وجهين: حياء فيما بينك وبين الله، وحياء فيما بينك وبين الناس.

فأمَّا الحياء الذي بينك وبين الله تعالى فهو أن تعرف نعمه، وأياديه فتستحيي منه أن تعصيه. فأعظم الناس مقتًا عند الله تعالى مَنْ جعل نعمه فيه، وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه؛ يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا كنت أقلبك في نعمتي، وأنت تتقلب في معصيتي، احذر لا أصرعك. واسمع قول السميع البصير: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].

وأما الحياء الذي بينك وبين الناس: أن لا تظهر لهم شيئًا من عورتك، وتغض بصرك عن عورات المسلمين والكافرين ومحاسنهم، وسواء كان المنظور إليه من الإناث أو الذكور، متى ما استحلت النفس بالنظر، وجب غض البصر، وسواء كان المنظور إليه بنت شهرين أو ابن سبعين سنة، فالسن ليس هو معتبرًا، فمن غضَّ بصره عما حرَّم الله عليه فتح الله تعالى بصيرته في الدنيا، ومتَّعه في الآخرة بالنظر إليه.

ثم اعلم بأن الحياء على قدر الإيمان، فمن كثر إيمانه كثر حياؤه، ومن قلَّ إيمانه قلَّ حياؤه، ومن لا حياء له لا إيمان له. وهذه الألفاظ مأخوذة من الخبر عن سيدنا محمد ما غاب نجم أو ظهر (١).

وقال صلوات الله عليه وسلامه: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٢). وفي حديث آخر: «الحياء من الإيمان، الحياء خير كله، الحياء لا يأتي إلا بخير» (٣).


(١) يشير بهذا إلى قوله : «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، من لا حياء له لا دين له». أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٤٢، وفي «الاستذكار» ٨/ ٢٨١ من حديث معاذ بن جبل ، وقال ابن عبد البر: من حديث الشاميين بإسناد حسن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>