للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال ابنُ حجر العسقلاني : «والمحدَثات بفتح الدَّال جمع محدَثةٍ، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمَّى في عُرف الشرع: بدعةً، وما كان له أصل يدل عليه الشرعُ فليس ببدعةٍ، فالبدعة في عرف الشرع مذمومةٌ، بخلاف اللغة؛ فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمَّى بدعةً، سواء كان محمودًا أو مذمومًا، وكذا القولُ في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث» (١).

وقال السيوطيُّ : «اعلم رحمَكَ الله: أنَّ السنة في اللغة: الطريقُ، ولا ريبَ في أنَّ أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله وآثار الصحابة، هم أهل السنة، لأنَّهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله وأصحابه. والبدعةُ: عبارة عن فِعْلةٍ تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان» (٢).

وذهب ابن بيدكين في كتابه هذا إلى تقسيم البدع إلى الأحكام الخمسة، وهي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرَّم، فقال (٧١): «اعلم أنَّ البدع على أقسام: مباح، وثواب، ومكروه، وحرام. فالمباح: ليس على فاعله جناح، والثواب: يقرب لرب الأرباب، وتارك المكروه عليه يثاب، وفاعل الحرام هو عبد مُدبِر مذموم، بالبعد والحرمان موسوم، والذي يُذكر في هذا الكتاب هو من البدع الذي يُذم فاعله، ولا يحمد قائله؛ لأن البدع تارة تكون في الأفعال، وتارة تكون في الأقوال».

قلتُ: فإن كان مراده بهذا التقسيم المعنى اللُّغويَّ للبدعة، فلا بأسَ، فكلُّ أمرٍ حادث هو في اللغة بدعةٌ، ويكون في أمر الدِّين والدنيا، فقد يكون محمودًا وقد يكون مذمومًا. وإن كان مراده المعنى الشرعيَّ، فهو تقسيمٌ باطلٌ، لأنَّ الأمرَ الحادثَ: إما أن يكون له مستندٌ شرعيٌّ من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس فهو أمرٌ مشروعٌ، ولا يُسمَّى بدعةً، وإما أن لا


(١) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» ١٣/ ٢٥٣ (٦٨٤٩).
(٢) «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» ٨٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>