للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المنام، فقال لي: يا علي طهِّر ثيابك من الدنس؛ تحْظَ بمدد الله في كل نفس. فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله قد كساك حلة الإيمان، وحلة المعرفة، وحلة التوحيد، وحلة المحبة. فقال: ففهمت حينئذٍ قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (١).

قال قتادة ومجاهد رحمة الله عليهما في تفسير هذه الآية: أي نفسك فطهر من الذنوب وقال بعض المفسرين: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسة التي لا تصح معها الصلاة (٢).

فصُنْ أيها المملوك! خِلَع الملوك، لكي لا تُنزع عنك، ولا تكثر الفجور فالحقُّ غيور، وكانت رابعة تقول:

ما بال دينك ترضى أن تدنسه … وثوبك الدهر مغسول من الدنس

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبس

فاشكر الله أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنةٍ وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة، قال بعضهم: لما فاح عطر النبوة شمَّها سلمانُ من العجم، وبلال من الحبشة، وصهيب من الروم، وأبو طالب في الحضرة وهو مزكوم، ومن هذه السعادة والخيرات محروم، فمن أراد هذه السعادة فلا يعصي عالم الغيب والشهادة.

فصُن أيها المؤمن! هذه الخلعة المحمدية من الأفعال الردية، وافرح بما خصك الله به: أن جعلك من خير الأمم، وحرسك من السجود للصليب والصنم، فقيد هذه الخيرات بالشكر، والعمل الصالح؛ فإن المعاصي تزيل النعم. قال : «المعاصي بريد الكفر» (٣)، فكادت المعصية أن تكون كفرًا.


(١) ذكره الثعالبي في «الجواهر الحسان» ٤/ ٣٥٩، وابن عجيبة في «البحر المديد» ٨/ ٢٦٢.
(٢) راجع لهذه الأقوال «الدر المنثور»، و «تفسير البغوي» ٨/ ٢٦٥.
(٣) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>