للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف.

قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها "خويلة بنت خويلد [١] " فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمت عليّ. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله . فأتت رسول الله فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: "يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء". فأنزل الله على رسوله ، فقال: "يا خويلة أبشري". قالت: خيرًا. فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ … إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد [٢] رقبة غيرى. قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾، قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره! قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها! قال: فدعا بشطر وَسْق -ثلاثين صاعًا، والوسق: ستون صاعا- فقال: "ليطعم ستين مسكينًا وليراجعك" (٨).

وهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا، فقال ابن أبي حاتم.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي [٣]، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دُليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، قال: أنت عليّ كظهر أمي. وكان لها [٤] منه عَيِّل أو عَيِّلان، فنازعته يومًا في شيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي. فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ، وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عَيّلها، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير


(٨) - أخرجه الطبري (٣/ ٢٨). وفي إسناده أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.