للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والجواب:

• أما حديثا عائشة فقد سبق الكلام عليهما وبيَّنَّا أنهم كانوا ينشدونَ الشعر وسُمِّيَ بذلك غناءً لنوعٍ يثبت بالإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يُخْرِجُ الطِّباع عن الاعتدال.

وكيف يُحْتَجُّ بذلك الواقع في الزمان السليم عندَ قلوب صافية على هذه الأصوات المُطْرِبَة الواقعة في زمان كدر عند نفوسٍ قد تملَّكَها الهوى؟! ما هذه إلا مغالطةٌ للفهم! أوليس قد صحَّ في الحديث عن عائشة أنها قالت: لو رَأَى رسولُ الله ﷿ ما أحدثَ النساءُ لمنعهُنَّ المسجدَ (١). وإنما ينبغي للمُفتي أن يَزِنَ الأحوالَ كما ينبغي للطبيب أن يَزِنَ الزمان والسنَّ والبلد ثم يصِف على مقدار ذلك.

وأين الغناءُ بما تقاوَلَتْ به الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، من غناءِ أمرَدَ مُستَحْسَنٍ بآلاتٍ مُسْتَطابةٍ وصناعةٍ تُجذَبُ إليها النفس وغزلياتٍ يُذكَر فيها الغزالُ والغزالة فهل يَثْبُتُ هناك طبع؟! هيهات بل ينزعِجُ شوقًا إلى المُسْتَلَذِّ.

فلا يَدَّعي أنه لا يجدُ ذلك إلا كاذبٌ أو خارجٌ عن حدِّ الآدميَّةِ، ومن ادَّعى أخْذَ الأشارةِ من ذلك إلى الخالق فقد استعملَ في حَقِّه ما لا يليقُ به (٢) على أن الطبعَ يسبقه إلى ما يجدُ من الهوى.


(١) أخرجه البخاري رقم (٨٦٩)، وأخرجه مسلم رقم (٤٤٥).
(٢) قد يكون مراد المؤلف ما يزعمه بعض غلاة الصوفية من أن الله حالّ في الصور المستحسنة وقد يكون مراده أولئك القائلين: أن النظر إلى وجه الصبي الأمرد عبادة؛ لأن فيه التفكر في عظمة الخالق. ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة كان بمنزلة من جعل الفواحش عبادة قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات من الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما في صورة المرد فهل يقول مسلم إن للإنسان أن ينظر بهذا الوجه إلى صور نساء العالم ويقول إن ذلك عبادة؟ بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. انظر: الفتاوى الكبرى ١/ ٢٨١. وما تقدم (ص ٥٣٧).

<<  <   >  >>