للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

خلف المقام ودعوت الله تعالى وقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين. فسمعت هاتفًا يهتف بي ويقول: ولا يوم اللبن (١)!

قال المصنف: وهذه الحكاية الله أعلم بصحتها.

واعلم أن من يقول: هذا يضرني، لا يريد أن ذلك يفعل الضرر بنفسه، وإنما يريد أنه سبب للضّرر كما قال الخليل : ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقد صحّ عن رسول الله أنه قال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر" (٢)، وقوله: "ما نفعني" مقابل لقول القائل: ما ضرَّني. وصح عنه أنه قال: "ما زالت أُكْلَةُ خيبر تُعَادُني حتى الآن حين قطعت أَبْهَرِي" (٣).

وقد ثبت أنه لا رتبة أوفى من رتبة النبوة، وقد نسب النفع إلى المال، والضرر إلى الطعام، فالتحاشي عن سلوك طريقه تعاط على الشريعة، فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا.

[فصل]

قد بيَّنا أنه كان أوائل الصوفية يخرجون من أموالهم زهدًا فيها، وذكرنا أنهم قصدوا بذلك الخير، إلا أنهم غلطوا في هذا الفعل، لما ذكرنا من مخالفتهم بذلك الشرع والعقل.


(١) ذكره الكلاباذي في التعرّف لمذهب أهل التصوف (ص ١٦٨) بلفظه، لكن من قول الوليد بن عبد الله السقاء، وكذا ابن الملقن في طبقات الأولياء (٢٢٧).
(٢) تقدم تخريجه ص (١٠٥٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٦٥٠ رقم ٤٥١٢)، والدارمي (١/ ٢٧ - ٢٨ رقم ٦٨)، وللحديث شواهد، منها: حديث عائشة. ذكره البخاري (٨/ ١٣١ رقم ٤٤٢٨) معلقًا جازمًا، ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٤/ ١٦٢). والأبهر: عرف مستبطن الصلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة. الغريب لأبي عبيد (١/ ٧٤).

<<  <   >  >>