قال المصنِّفُ ﵀: قد لَبَّسَ على خلقٍ كثيرٍ منهُم، فأوهَمَهُم أن التوكُّلَ تركُ الزَّادِ، وقد بيَّنَّا فسادَ هذا فيما تقدَّم، إلَّا أنهُ قد شاعَ هذا في جَهَلَةِ القوم، وجاءَ حمقَى القُصَّاصِ يحكُونَ ذلك عنهُم على سبِيلِ المدحِ لهُم، فيتضمَّنُ ذلكَ تحرِيضَ المبتَدِئينَ علَى مثلِ ذلكَ، وبأفعالِ أولئِكَ، ومدحِ هؤلاءِ لهَا فسَدَت الأحوال، وخفِيَت على القوم طريقُ الصَّوابِ!
والأخبارُ عنهم بذلكَ كثيرةٌ، وأنا أذكُرُ منها نُبذةً:
• أنبأنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أنبأنا أبو بَكرٍ الخطيب، قال: أنا رِضوانُ بنُ محمد الدينَوَرِي، قال: نا طاهِرُ بن عبدِ الله، قال: نا الفضْلُ بن الفضلِ الكندِي، قال: حدَّثني أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الواحِد بن جعفرٍ الواسِطِي، قال: نا محمدُ بن التيَّاح، عن عليِّ بن سهلٍ البصري، قال: أخبَرني فتحٌ الموصِلِيُّ، قال: خرجْتُ حاجًّا، فلمَّا توسطتُ البادِيةَ إذا أنا بغُلامٍ صغيرٍ، فقلتُ: يا عَجَبًا! بادِية بَيداء، وأرضٌ قِفَار، وغلامٌ صغيرٌ!
فأسرعْتُ فلَحِقتُهُ فسلَّمتُ علَيهِ، ثمَّ قلتُ: يا بُنَي إنك غلامٌ صغيرٌ لم تَجرِ عَليكَ الأحكامُ. قال: يا عمّ، قد ماتَ من كانَ أصغرَ سِنًّا منِّي، فقلت: وسِّع خُطاكَ؛ فإنَّ الطريقَ بعيدٌ حتَّى تلحَقَ المنزِلَ. فقال: يا عمّ، علَيَّ المشيُ، وعلى اللهِ البلاغُ، أما قَرأتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. قلتُ: ما لي لا أرى مَعكَ زادًا ولا راحِلَة؟! فقال: يا عمّ، زادي يقِيني وراحِلَتِي رَجائِي. قلت: سألتُكَ عن الخُبزِ والماءِ. قال: يا عمّ، أخبِرْني لو أن أخًا من إخوانِكَ أو صدِيقًا من أصدِقائِكَ دعاكَ إلى منزِله، كنت تَسْتَحْسِنُ أنْ تحمِلَ معكَ طعامًا فتأكُلَهُ في منزِلهِ؟ فقلت: أزوِّدُكَ. فقال: إليكَ عنِّي يا بطَّال، هُو يُطعِمُنا ويسقِينا.